أخبار الصحف

أوبزيرفر: الديمقراطية الأمريكية على منعطف طريق وأحداث 6 يناير الأخطر منذ الحرب الأهلية

قال ديفيد سميث مراسل صحيفة “أوبزيرفر” في واشنطن إن الهجوم على مبنى الكونغرس يوم الأربعاء هز صورة أمريكا حول نفسها وديمقراطيتها التي تعيش في وضع خطير لم تشهده منذ الحرب الأهلية.

وبدأ تقريره بالإشارة إلى فيلم “السيد سميث يزور واشنطن” والذي نظر فيه بطله جيمس ستيوارت بإجلال وحب إلى مبنى الكابيتال قلعة الديمقراطية الأمريكية. وقد مضت ثمانية عقود على الفيلم وكان هناك عدد من الأسباب للتساؤل أو احتقار مثالية البطل لكن لا شيء يعدل ما حدث يوم الأربعاء عندما قام أنصار الرئيس دونالد ترامب بتدنيس المكان ورفع علم الانفصاليين في الحرب الأهلية واحتلال مقعد نائب الرئيس ومواجهة الشرطة في أروقته.

ومات في اقتحام الكونغرس خمسة أشخاص. وفي الوقت الذي اجتمعت فيه الغوغاء حذر زعيم الجمهوريين ميتش ماكونيل من أي محاولة لقلب نتائج الانتخابات التي قد ترسل الديمقراطية الأمريكية نحو دوامة الموت. وبعد ساعات قال تشاك تشومر، زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، إن هجوم الغوغاء على المجلس يشبه ضرب اليابانيين بيل هاربر في الحرب العالمية الثانية وقال إنه “يوم العار”.

وعلى مستوى معين فقد كان إدراكا محتوما لحرب ترامب على واشنطن، وقدم نفسه بأنه يمثل “البرابرة على البوابة” حيث وصلت سنواته الأربع التي قضاها في إثارة الغضب والسخط العنصري واحتقاره للمؤسسة ونظريات المؤامرة المنحرفة نقطتها الأخيرة في “المذبحة الأمريكية” التي وعد بوقفها. وقال سميث إن الأحداث أدت إلى أزمة وجودية حيث اقترح بعضهم أن الديمقراطية الأمريكية لم تكن محفوفة بالمخاطر مثلما كانت أثناء الحرب الأهلية وأن أسطورة الخصوصية الأمريكية مجوفة وهشة.

وكان هناك شعور دولي أن قوة عظمى في العالم بدأت بالخفوت بدون هوادة كما حدث للعاصمة وحدث لأول مبنى كابيتول في روما. وقال مايكل ستيل، الرئيس السابق للجنة القومية في الحزب الجمهوري: “توقفنا بالاهتمام لما يجري حولنا وتعاملنا مع بعضنا البعض كأمر مفروغ منه وتوقفنا عن الاستماع للأمور التي تسبب الألم والذعر والإحباط للناس. واهتم ساستنا بمصالحهم الخاصة وإعادة انتخابهم”. و”كان موقفنا حول أمريكا هو الذي حملناه معنا إلى الخارج للتفاخر حول وضعنا الجيد ولكننا تجاهلنا حقيقة قد تكون غير مهمة في كل الوقت عندما يقتل جورج فلويد وبيرونا تيلور (الأعزلين على يد الشرطة) وكان هذا جزءا كبيرا مما حدث”. ولم يفت فشل أمريكا بتحقيق نقل سلمي للسلطة على العالم، فقد تساءلت صحيفة كينية في عنوانها “من هي جمهورية الموز الآن؟”. وتحدث زعيم إيران عن هشاشة وعرضة الديمقراطية الغربية للخطر”.

وتساءل سميث عن سبب وصول أمريكا بعد 245 عاما من الاستقلال والقوة الاقتصادية الأولى في العالم إلى هذه النقطة. ويجيب أن تآكل الديمقراطية الأمريكية ناجم عن عدة أسباب- الظلم والعنصرية وعدم الثقة بالمؤسسات والاستقطاب والإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والتي ستظل باقية حتى بعد رحيل ترامب.

ويرى ستيل أن هذه المشاكل سابقة على ترامب وتعود إلى انكسار الإجماع في مجلس النواب وتبني القبلية التي استخدمت كهراوة ضد المعارضين الذين تحولوا إلى أعداء. وأشار إلى أن الديمقراطية الأمريكية وما أنجزته يظل مزيجا من الحلاوة والمرارة. فلم تحصل المرأة على حق التصويت إلا قبل مئة عام ويواجه السود بشكل مستمر التمييز العنصري وبتنصيب جوزيف بايدن يوم 20 كانون الثاني/يناير فسيكون الرئيس الأبيض رقم 45 من بين 46 رئيسا.

وخلال نصف القرن الماضي شوهت الفضائح مثل ووتر غيت السياسة والتي أدت لاستقالة ريتشارد نيكسون. وكان رونالد ريغان أول من زرع بذور عدم الثقة بالمؤسسة لصالحه السياسي وخفض الضرائب عن الأغنياء فيما نراه اليوم من عدم مساواة قاسية. وفي التسعينات من القرن الماضي تبنى رئيس مجلس النواب نويت غينغريتش محاكمة الرئيس بيل كلينتون فيما قاد جورج دبليو بوش أمريكا في حرب غير قانونية على العراق. وأدت نهاية الحرب الباردة  إلى إزاحة عدو مشترك لكن العولمة والأزمة المالية أدت إلى تدمير المجتمعات وغذت مشاعر الظلم والغضب ضد النخبة.

ثم جاءت جماعة “سيتزن يونايتد” وقرار المحكمة العليا عام 2010 الذي أزاح القيود على طريقة إنفاق الجماعات العاملة خارج المؤسسة على الحملات الانتخابية، مما حرف كما يقول النقاد الميزان باتجاه المتبرعين الأثرياء والشركات وجماعات المصالح. وفي تقرير لمركز برينان بجامعة نيويورك وجد أن مجموعة صغيرة من الأمريكيين تمارس سلطة كبيرة أكثر من أي وقت منذ ووتر غيت في وقت ابتعدت فيه البقية عن السياسة. وبلغت كلفة الحملات الانتخابية لعام 2020 حوالي 14 مليار دولار. وكان انتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود سببا في تصاعد لردود الفعل العنصرية. وبدا واضحا من حركة حزب الشاي ودخول ترامب إلى السياسة من خلال إثارة الشكوك حول مكان ميلاد أوباما وإن كان في كينيا، ولو صح هذا الكلام فهو رئيس غير شرعي.

وفي عام 2015 زاد ترامب من مشاعر البيض عبر وعده ببناء جدار على الحدود الجنوبية مع المكسيك لمنع المهاجرين وإعادة عظمة أمريكا من جديد. وكان العصيان يوم الأربعاء في مبنى الكونغرس والذين لم يلقوا معاملة شديدة أسوة باليد الحديدية التي لقيتها حركة “حياة السود مهمة” العام الماضي هي العواء الأخير للغضب الأبيض، نظرا لأن معظم المشاركين فيه كانوا من البيض.

وقال لاري جاكوبس، مدير مركز دراسة السياسة والحكم بجامعة مينسوتا: “لا شك أن أمريكا تمر في مرحلة تغير جيلي تاريخية. وتتراجع نسبة الناخبين البيض في صناديق الاقتراع وبشكل دراماتيكي، من 89% في عام 1980 إلى 68% عام 2020. ولعب دونالد ترامب على وتر الإحباط في داخل الجماعات الأقل تعليما ورأينا أفرادها يتدفقون على الكونغرس” و”ليس هذا هو مستقبل أمريكا بل جزء من أمريكا يشعر أنه في تراجع. وتبنى ترامب مظالمهم ولكن مستقبل أمريكا متعدد الأعراق والإثنيات”.

ومع أن أمريكا استطاعت في الماضي التغلب على ومواجهة العواصف إلا أنها بحاجة لإصلاح بنيوي عاجل. ولم يفز أي مرشح جمهوري بالأصوات الشعبية إلا مرة واحدة خلال 32 عاما. ووصل الجمهوريون إلى البيت الأبيض عبر أصوات المجمع الانتخابي التي لا تمنح الأصوات الانتخابية للولايات الصغيرة والكبيرة بشكل ممثل لعدد سكانها. ولهذا ظلت الولايات الزرقاء (الديمقراطيون) زرقاء والحمراء (الجمهوريون) حمراء. ويتغير لون الولايات عندما تقرر ذات الصوت العالي مكافأة مرشح في الانتخابات التمهيدية.

ويقول جاكوبس إن الأحزاب وبدءا من سبعينات القرن الماضي غيرت طريقة اختيار المرشحين في نوبة حماس ديمقراطية وقررت اللجوء إلى الحملات التمهيدية والتي كان يقصد منها منح السلطة للشعب، لكنها منحتها في الحقيقة للمتطرفين. وأصبح الاستقطاب واضحا على مستوى الطبقة والعرق والجغرافيا والإنجاز التعليمي. وكان نجاح بايدن في انتخابات 2020 بعد فوزه في 509 مقاطعات تمثل 79% من النشاط الاقتصادي، فيما خسر ترامب 2.547 مقاطعة تمثل 29% من النشاط الاقتصادي الأمريكي، حسب معهد بروكينغز. وأسهمت شبكات اليمين مثل فوكس نيوز ونيوزماكس ووان أمريكا نيوز نتوورك ومنصات التواصل مثل فيسبوك وتويتر النزعة القبلية وأسهمت في توليد الفقاعات وملأت الفراغ الذي تركه توقف الصحف المحلية.

وفي استطلاع أجرته جامعة كويننبياك فنسبة 60% من الأمريكيين تؤمن بفوز بايدن. وهناك إشارات بزحف اليمين المتطرف. وما حدث في الكونغرس مظهر للمناخ الساخن الذي أدى العام الماضي لمحاولة اختطاف حاكمة ميتشغان غريتشن ويتيمر ولم يمنع 147 سناتورا جمهوريا المضي وتحدي نتائج الانتخابات الأمريكية. وقال إيان بريمر، مدير مجموعة يوريشيا موقع إكسيوس: “لا يمكنك جمع ديمقراطية الولايات المتحدة وكندا وألمانيا واليابان معا فنحن في منتصف الطريق بينها وهنغاريا”. لكن هذه النظرة تظل ناقصة فالمجتمع مدني حي والصحافة قوية والمحاكم مستقلة كما ظهر من رفضها مزاعم التزوير في الانتخابات الأخيرة.

ويرى جاكوبس: “لدينا أكبر مشاركة في انتخابات أمريكية وهزم جوي بايدن دونالد ترامب. وانتخابات جورجيا مهمة، فهذه الولاية هي قلب قوة الحزب الجمهوري. وكانت قبل نصف قرن أكثر الولايات الأمريكية عنصرية. ومن منبر الدكتور مارتن لوثر كينغ حصلنا على أول سناتور أسود، الأول من جورجيا وهو أمر يجب إدخاله في القصة عن الديمقراطية الأمريكية”.

ويقلل جاكوبس من المخاطر على الديمقراطية الأمريكية. فربما كانت ظاهرة ترامب معزولة وواحدة لديها دعائم ولكنها ليست سائدة و”أنظر إلى هذه الانتخابات، وماذا أشاهد، قضاة عينهم الحزبان بمن فيهم ترامب يقفون مع القانون. وأرى مسؤولي انتخابات بمن فيهم الجمهوريون يتحدثون بصراحة (عن نزاهتها) وأين الخلل في الديمقراطية هنا؟ وأعتقد أن الناس يقفزون إلى النتيجة بسبب رعب يوم السادس من كانون الثاني/يناير”.

المصدر: القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى