زاوية السياسة

ما تحتاج له انتفاضة تشرين ليس إبراز قادة وانما إنضاج أفكار حقيقية

لم يكن هدف الانتفاضة في يوم أن تكون مطالبة بظرف انتخابي افضل، أو دعوة ضغط للجم السلاح المنفلت

ما تحتاج له انتفاضة تشرين ليس إبراز قادة وانما إنضاج أفكار حقيقية. أفكار تتصادى فيها الأبعاد العميقة لهذه الانتفاضة على مستوى الأسباب والأهداف على حد سواء.
للأسف، تكشف كلمات بعض الشباب المتظاهرين، الذين تستقبلهم القنوات الفضائية، وبعض ما يصدر من بيانات باسم المتظاهرين، عن قصور واضح في تقدير حقيقة الانتفاضة وحجمها وطبيعة ما تعبر عنه.
بطبيعة الحال، جرأة مأساوية كبيرة جداً، أن يتكلم شخص ما باسم انتفاضة شعب ربما قدم من التضحيات ما لم يقدمه شعب آخر، بسطحية لا تناسب حجم المعاناة التي تمخضت عنها الانتفاضة، ولا التطلعات المعلقة عليها.
لم يكن هدف الانتفاضة في يوم أن تكون مطالبة بظرف انتخابي افضل، أو دعوة ضغط للجم السلاح المنفلت، أو أنها هذا المطلب الجزئي أو ذاك، بل ولا يليق بها أبداً أن يكون هدفها أقل من استعادة وطن، واسترداد هوية بكل ما تنطوي عليه هذه العبارات من معان. كل الأهداف الجزئية السطحية التي يرددها الإعلام بتعمد هي ألغام زرعها النظام الفاسد ورعاته المنافقون لتعويق الانتفاضة وحرف مسارها.
علينا ان ندرك أن جذور الانتفاضة ممتدة بعيدا في معاناة الشعب العراقي، وهي تستسقي جمرها من لوعة الألم المتراكم منذ عقود، أبعد حتى من تجربة الحكم المريرة التي أعقبت الاحتلال وتسلط أحزاب الفساد التابعة له. فتجربة ما بعد عام 2003 غير منقطعة، في الوعي العراقي، عن التجارب السابقة وانما هي امتداد لها وتطوير بلغ بها مرحلة الذروة وأنضج الظرف الملائم للانفجار.
انتفاضة تشرين تجلي من تجليات حلم عراقي قديم بحياة حرة كريمة يلتحم فيها الشعب مع رسالته، ويمارس دوره الأممي بفعل موقعه وتاريخه وإرثه الحضاري والديني الفريد. نعم تطغى الآن على هذا الحلم صورة الأهداف المنظورة المتعلقة بما يفتقده العراقي في حاضره من وسائل عيش وخدمات حرمه منها النظام الفاسد الحالي والأنظمة السابقة له، وهذا طبيعي بمعنى ما، ولكن الصورة الحاضرة لا ينبغي أن تنسينا الحقيقة الكبرى التي تميز هويتنا كشعب عتيد بتقديم تجربة مختلفة تقدم إنقاذاً للعالم بأسره تحت قيادة الإمام المهدي. لا يستكثرن أحد هذه الأهداف الضخمة فإن تواضع الأهداف إحدى علامات الفشل، والاكتفاء بالآني والحاضر والقريب قصورٌ في النظر. إذ سرعان ما تستجد حاجات وأهداف مؤقتة أخرى، في عملية متواصلة يكون فيها الهدف المتحقق الآن عائقاً يحول دون تحقق الاهداف المستقبلية في حال لم تُحدد الصورة الكلية التي تمنح الأجزاء انسجامها وتناغمها. علينا إذن منذ البداية تأسيس الاطار الكلي الذي يحدد هويتنا وما نتطلع له، ليكون التطور حركة منتظمة تستهدف الوصول إلى أفق حاضر في وعينا وعلى مستوى تصورنا لحركة التاريخ.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى