أخبار الإقتصادزاوية الإقتصاد

كورونا يطيح عقدا من التقدم في تخفيض الفقر عالميا

أظهرت دراسة حقّقتها منظمة الأمم المتّحدة، وظهرت نتائجها حديثاً، أن جائحة كورونا قد أحدثت انتكاسة في التطوّر الذي تحقق خلال السنوات الثماني أو العشر الأخيرة، في جهود تخفيض مستويات الفقر في العالم. ووفق المعطيات الأكثر اعتدالاً، توصّل الباحثون الذين أجروا الدراسة إلى أن 131 مليون شخص على الأقل من 70 دولة، قد يُدفعون إلى حالة فقر غير نقدي، أو غير مالي، ما لم تجرِ مكافحة مظاهر الجوع المرتقبة أو مواجهتها على وجه السرعة.

ضربة واحدة من وباء فيروسي أضاعت عشر سنوات من مكافحة الفقر (ديدبليو.كوم)

وكذلك قد يرتفع هذا الرقم فيتراوح بين 413 و547 مليون شخص إذا استمر نصف صغار السن في مواجهة مظاهر التعطيل والعرقلة في سير دراستهم خلال هذا العام. واستطراداً، مازال أكثر من 60 في المئة من الأولاد عالمياً خارج المدارس حتى الآن. وقد بلغت مظاهر إغلاق المدارس ذروتها في أبريل (نيسان) المنصرم، ولامست الـ91 في المئة.

وعلى الرغم من هذه التوقعات القاتمة، فإن الباحثين الذين أجروا الدراسة التي حملت عنوان “مؤشّر الفقر المتعدد الأبعاد في 2020″، أشاروا إلى وجود “أمل كبير في أن لا يحصل ذلك”، مشيرين إلى أن قتامة التوقعات لا تنفي “بقاء التقدّم ممكنا”.

وفي حديثها مع “الاندبندنت” خلال مايو (أيّار) المنصرم، أعربت البروفيسورة سابينا ألكاير التي شاركت في وضع مؤشر الفقر المعتمد من قبل دول وخبراء عبر العالم كمقياس يساعد في تحديد معدّلات الفقر وتخفيض مستوياته، عن اعتقادها بإن الجائحة قد تتسبب في “انخفاض تاريخي” لمستويات الفقر في العالم في حال اتخذت السلطات “مواقف إستراتيجيّة داعمة للفقراء” وتدابير إنعاش وتمويل، في ظلّ حالة الطوارئ التي يمثلها الفيروس. وقد استندت البروفيسورة ألكاير التي تُدير “مبادرة أوكسفورد لمكافحة الفقر ودعم التنمية البشريّة”، في رأيها إلى معطيات توصّل إليها عالِم الاقتصاد أمارتيا سند، تشير إلى أن متوسط عمر الأفراد المتوقّع في المملكة المتّحدة ارتفع بمعدّل أسرع بكثير خلال الحرب العالمية الثانية، بالمقارنة بعقد السنوات الذي سبقه. وعزا سند ذلك الأمر قبل كلّ شيء، إلى أنظمة الحصص الغذائية المعتمدة في ظلّ حالة الطوارئ إبّان الحرب.

في سياق متصل، يظهر “مؤشّر الفقر المتعدد الأبعاد في 2020” الذي نشر الأسبوع المنصرم، أنه من بين الدول الـ75 التي شملتها الدراسة، شهدت سيراليون المعدّل الأسرع في تخفيض الفقر المتعدد الأبعاد، حينما انخرط ذلك البلد في صراع مع وباء فيروس “إيبولا”.

وبحسب الدراسة نفسها، فإنّ الفقر المتعدد الأبعاد الذي يمثّل مقياساً لما يمكن أن يحياه الناس من مظاهر التردي التي تصيب جوانب حياتهم الصحيّة والتربويّة والمعيشيّة، شهد تراجعاً حاداً [في سيراليون] خلال السنوات الأربع التي بدأت في 2013. إذ انخفض الفقر المتعدد الأبعاد من 74 في المئة إلى 58 في المئة، وقد ساهم اعتماد الوقود النظيف في الطهو، وكذلك زيادة التغذية الكهربائيّة، في تحقيق الجانب الأكبر من ذلك الانخفاض.

في هذا الإطار، يورد التقرير إنّه “على الرغم من فداحة الكارثة (انتشار مرض “إيبولا” في سيراليون)، إلّا أنّها لم تؤدِّ إلى انزلاق شامل نحو الفقر. إذ إن حالات الطوارئ المتعلقة بالصحة العامة تتطلّب ردود فعل سريعة، مع ملاحظة أن الهفوات البشريّة على غرار الحوادث المأساوية، لا يمكن تجنّبها. وعلى الرغم من ذلك أظهرت سيراليون القدرة على تخفيض مظاهر الحرمان والأوجه المتشابكة للفقر المتعدد الأبعاد، إبّان موجة وباء إيبولا”.

ويأتي هذا التقرير الذي يراجع التقدّم المحقّق خلال السنوات العشر التي تلت وضع مؤشّر الفقر المتعدد الأبعاد، ليذكر أيضاً بأن 65 بلداً من البلدان الـ75 التي جرت دراستها، حقّقت تخفيضاً “مهماً” في مستويات ذلك الفقر. ففي الهند، التي شهدت الانخفاض الأكبر على هذا الصعيد خلال العقد الأخير، جرى تخليص حوالي 273 مليون شخص من الفقر المتعدد الأبعاد. كما تخلّص من الفقر المتعدد الأبعاد حوالي 70 مليون شخص في الصين بين عامي 2010 و2014. وحقّقت بنغلادش انخفاضاً في الفقر المتعدد الأبعاد شمل 19 مليون شخص بين عامي 2014 و2019.

وقبل جائحة كورونا الراهنة، انخرط 47 بلداً في مسار تخفيض مستويات الفقر بمقدار النصف بين عامي 2015 و2030، ولو تسنى دوام تلك الاتجاهات التي لاحظتها الدراسة، لتحقّق ذلك الهدف. في المقابل، أدّى انتشار جائحة كورونا إلى خروج 18 بلداً من ذلك المسار [في تخفيض الفقر بمقدار النصف]، من بينها بلدان تعدّ من الأفقر عالميّاً. ويرى التقرير أنّه من بين الـ1.3 مليار شخص الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، فإن 80 في المئة يُعدّون محرومين بالاستناد إلى خمسة مؤشرات على الأقل من المؤشرات المعتمدة [مِنْ قِبَل الأمم المتحدة].

وعلى نحوٍ مماثل، يُلاحَظ أن نصف الأشخاص الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، أي حوالي 644 مليون شخص، لم يبلغوا بعد سنّ الـ18. وكذلك يعيش 40 في المئة على الأقل من هؤلاء، في جنوب آسيا، وكذلك تسكن نسبة أكبر من ذلك في دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. وإضافة إلى سيراليون، ثمة ستّة بلدان أخرى من دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، تُعدّ من بين الدول العشر التي تحقق تطوّراً أسرع في هذا الإطار، وتضم قائمة تلك الدول ساحل العاج، غينيا، ليبيريا، موريتانيا، رواندا، سان تومي، وبرينسيبي.

وفي سياق موازٍ، أظهر التقرير أيضاً أن حوالي 107 ملايين شخص ممّن يعانون أوجه هشاشة متعددة، هم فوق سن الـ60، وهذا ما أشار إليه مُحققو الدراسة باعتباره “معطى يملك أهمية بالغة في سياق جائحة كورونا”.

وفي تعليق على ما أظهره التقرير، أشار بيدرو كونسايكاو، مدير مكتب التقارير في “برنامج التنمية البشريّة” التابع لـ”برنامج الأمم المتحدة الإنمائي”، إن فيروس “كوروننا يمثّل الجائحة الأحدث التي تجتاح العالم، وكذلك فإن التحوّل في أحوال المناخ يشكّل تأكيداً على حتمية حدوث جائحات أخرى. وستولّد كل جائحة مقبلة تأثيراً في الفقراء في أوجه عدة”. وكذلك أشار كونسايكاو إلى “وجوب العمل أكثر من أيّ وقت مضى على معالجة الفقر ومسبباته، ومواجهة أشكاله كلها”.

في سياق مماثل، أشارت البروفيسورة ألكاير إلى إن “تقرير مؤشّر الفقر المتعدد الأبعاد، مع معلوماته المتعلقة بمستويات الفقر ومظاهره أيضاً، يقدّم المعطيات المطلوبة التي تساعد في تحديد المواضع والأشكال التي يُعبّر الفقر فيها عن نفسه”. وأضافت ألكاير أنه من دون هذا التقرير “سيبقى صانعو السياسات على غير هدى، ويعجزون عن معرفة كيفيّة توجيه مصادرهم وتدخّلاتهم، والمواضع التي يتوجّب عليهم التوجّه إليها”. وكذلك شدّدت ألكاير على إن “فيروس كورونا ترك تأثيراً هائلاً في واقع التنمية. في المقابل، إن المعطيات والمعلومات المسجّلة قبل الجائحة، تمثّل بارقة أمل”. وكذلك أشارت إلى أن “قصص النجاح السابقة التي تُظهر كيفيّة التعامل مع مظاهر الفقر المتعددة التي يختبرها الناس في عيشهم اليومي، يمكنها أيضاً أن توضح لنا السبل الأفضل في إعادة البناء وتحسين حياة ملايين البشر”.

المصدر: إندبندنت عربية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى