إبليس يـقــود الجاهــلية الأولى فــي الانـــقــلاب الأول .. وشــعاره حســــبنا كـــــتاب الله الحلقة( 2)

صادق الحسيني

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وال بيته الطيبين الطاهرين

إبليس يـقــود الجاهــلية الأولى فــي الانـــقــلاب الأول .. وشــعاره حســــبنا كـــــتاب الله 2لم يكن ما صدر ممن حضر في بيت الرسول صلى الله عليه واله وسلم في ليلة الخميس التي سبقت وفاة النبي الخاتم (ص) والذي اشرنا له في مقال سابق، وليد اللحظة، او انه كان موقفا عابرا في لحظة صعبة، بل انه وكما وصفه ابن عباس كان رزية بكل معنى الكلمة.

حديث رزَّيَّة الخميــــس المروي عن ابن عباس ……….عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لما حُضِرَ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وفي البيت رجال، فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: “هَلُمَّ أكْتُبْ لَكُم كِتاباً لاتَضِلّوا بَعدَهُ”. فقال عمر: إن النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فَاختلف اهل البيت فَاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه واله كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والأختلاف عند النبي صلى الله عليه واله، قال رسول الله صلى الله عليه واله “قوموا” قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرَّزيَّة كل الرَّزيَّة ما حال بين رسول الله صلى الله عليه واله وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب، من إختلافهم ولغطهم[1].

لقد اسست قريش لهذا الموقف منذ زمن يبعد كثيراً عن هذه اللحظة، قريش التي فيها دهاة العرب تعلم ما كانت تريد، وتعرف كيف تصوب لتنال الهدف في وقته، وواضح في الحديث أعلاه كيف ان مقولة {حسبنا كتاب الله} التي لم تكن وليدة لحظتها قد وجدت لها تأييد لم يكن مبني على تفكير لحظي من اللذين لا يعرفون حرفين من القرآن، وكثر اللغط نتيجة اختلافهم، أي وجود المؤيدون (مثلما المعارضين) للزعم المطروح، والذين أسسوا لهذا الموقف منذ زمن ابعد من حين القول، ولو رجعنا قليلا لبدا واضحا الأساس الذي ارتكزت عليه مقولة {حسبنا كتاب الله}

عن عبد الله بن عمرو بن العاص انه قال: {{كنت اكتب كل شيء اسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا تكتب كل شيء سمعته من رسول الله، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فمه وقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حقاً}} (سنن ابن داود 2/126، سنن الدارمي 1/125، مسند احمد 2/162، 207، 216).

فلقد تم التحضير للموقف والإعداد له على مدى فترة طويلة، ولذلك ترى له مؤيدين اتفقوا على ما حصل، وتمسكوا به بعد وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه واله وسلم. فالموقف جاء من الحسد الذي استبطنه الناس لبني هاشم، لما نالوه من مقام النبوة والرسالة والإمامة من الله سبحانه وتعالى، وواجهت قريش ذلك بكل قوة، ووضعت بذلك نظرية لإبعاد آل الرسول عن مكانهم الذي أراده لهم الله، والنظرية تقول: {النبوة لبني هاشم والخلافة للبطون} لقد وضع عمر هذه القاعدة للتعامل مع المنصب، ولكي يضعها موضع التطبيق كان لابد من {حسبنا كتاب الله} التي جعلت من الناس بعيدة عن وصية الرسول الكريم للأمة حين الممات.

لقد كانت محاولات قريش هذه لكي توقف العمل بحاكمية الله، بعد أن رأت إن الحاكم الإلهي ليس ممن ترضاه قريش من جانب، ولان الأمر سيخرج من أيديهم وهذا ما لا يرضي غرور المتمسكين بالدنيا وحب النفوذ والزعامة الدنيوية، فقد أسست قريش بفعلها هذا لحاكمية الناس مخالفة شرع الله الذي جاء به الرسول الكريم، ولتكون النتيجة السقيفة، التي عقدت لوائها والرسول لم يدفن بعد، فالامة التي تحتفظ بشعرة من شعر الرسول الكريم صلى الله عليه واله في احد متاحف تركيا، قد تركت الرسول وكل شعره وكامل  جسده الشريف ورائها، لتلتهي عن دفنه بالتقاتل على كرسي الحكم الذي لم يجعله الله يوما قرارا الناس بل هو من امر الله. {يُسَبِّحُ  لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ﴿التغابن 1﴾. { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ﴿الاعراف 54﴾.

والذي يراجع السيقيفة وما جرى فيها من احداث فانه لايرى لانعقاد السقيفة أي اساس شرعي، فاجتماعهم لم يكن بامر الرسول صلى الله عليه واله، بعد ان رفضوا ان يتقبلوا منه الامر الذي اشار اليه بقوله انه {لاتَضِلّوا بَعدَهُ“}، ولم يكن بهدي القران، الذي امرهم بالاخذ من الرسول صلى الله عليه واله وهم رفضوا قبول كتابه،

وكان مرتكز من تجادل في السقيفة، ان قريش عشيرة الرسول واهله وهم اولى بهذا الامر من الانصار، وادعت الانصار قيام لواء الدين على موقفهم من الاسلام ونصرة النبي صلى الله عليه واله وسلم. ان كل من طالب بالخلافة من الحاضرين لم يكن يمتلك اي سند لمطالبته، لينتهي الامر ان تكون بيد الادهى من بينهم. ويفض الحضور ببيعة ابو بكر من قبل بعض الحاضرين وتمرد البعض الاخر وغياب اكثر الصحابة عن السقيفة.

ان من حاز الامر لنفسه لم يقدم تبرارات لما قام به، بل حاول ان يستمتع بالنصر الذي جناه من لحظة الغفلة وانشغال اصحاب الامر بتجهيز الرسول الكريم صلى الله عليه واله لدفنه. ولكنهم لم يعترفوا انها لحظة غفلة حتى اصبح الاعتراف لايغير من الواقع شيئا، فقد صرح عمر بعد تسلمه الخلافة { انما كانت بيعة ابو بكر فلتةٌ وتمت، الا وانها قد كانت كذلك، ولكن الله وقّى شرها} ((صحيح البخاري 8 / 210 الحدود ، باب رجم الحبلى من الزنا ، 4 / 2130 ح 6830 . مسند أحمد بن حنبل 1 / 323 ح 391، الجمع بن الصحيحين للحميدي 1 / 104 . الجمع بين الصحيحين للموصلي 1 / 260 . المصنف 7 / 431 ح 37031 ، 37032))

. وفي رواية أخرى : ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، وقى الله المؤمنين شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه . وذكر هذا الحديث من علماء أهل السنة : ((تاريخ الخلفاء ، ص 51 . البداية والنهاية 5 / 215 . السيرة النبوية 4 / 657 . الكامل في التاريخ 2 / 326 .، الرياض النضرة 1 / 233 . مختصر التحفة الاثني عشرية ، ص 243)).

وهكذا كان الامر واضحا بتصريح اصحابه “فلتة” مرت على الامة في لحظة غفلة، ولم ينتهي الانقلاب عند لحظة الاعتراف، بل اصبح الانقلابيون اكثر جرأة على تطوير مسار الانحراف مع مرور الايام وتَجمُّع الناس من حولهم، طمعا بما لديهم من جاه وبهجة الدنيا.

 (صحيفة الصراط المستقيم/عدد 5/سنة 2 في 24/08/2010 – 13 رمضان 1431هـ ق)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق

على جمعة: سماع الموسيقى حلال ومن يحرمها فلنفسه.. ونعيش دين النبى لا زمانه

قال الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق، إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر له شروط ...