مثقفون بأفق ضيق !

غريب جداً ذلك الصدود الذي يواجه به مثقفو البالتوك العراقيون دعوة السيد اليماني، وهو صدود يبلغ في أحيان كثيرة درجة الاختباء خلف القوقعة لمنع الصوت الآخر من الولوج لمراكز الوعي.
لا أحسب وعياً متأملاً يراقب سحابة الدخان اللغوي ذات الأرومة الديمقراطية التي تطفو فوق رؤوس هؤلاء المثقفين، ويرى في الوقت ذاته تلك الأقفال الديكتاتورية التي يعلقونها على منافذ وعيهم، أقول لا أحسبه إلا وهو يظن نفسه بإزاء نمط جديد من مسرح الكوميديا السوداء.
مفارقة عجيبة حقاً أن تتطلع لأفق الحرية في الواقع الخارجي بينما أنت تمارس أبشع أنواع اضطهاد الذات.
وهل من شك في أنك حين تلغي فكرة وجود باب في الغرفة تكون قد جلدت ذاتك بلذة ماساشوية؟
المبرر المعروف يتعلق بتجارب ما يُصطلح عليهم بالإسلاميين، فهؤلاء المثقفون الماسوشيين يختزنون هواء كثيراً فاسداً في رئاتهم بخصوص هذه التجارب المنحرفة بالضرورة. وبقدر تعلق الأمر بتوزيع حصص المسؤولية الجنائية فليس من شك في أن أصحاب الأيدي المتوضئة بالنفط لهم حصة الأسد، ولكن المثقفين بطبيعة الحال ليسوا بلا حصة، فقد كان عليهم أن يدركوا منذ البداية أن هؤلاء المتسربلين بشعار الإسلام ثلة من اللصوص الدينيين ترفضهم مقولات الإسلام نفسها.
وجه الغرابة في موقف المثقفين الماسوشيين من الدعوة اليمانية يتجلى بقصر النظر الواضح الذي يمنعهم من ملاحظة المقولات التي أطلقتها الدعوة، وهي مقولات لم تشهد الساحة الثقافية العراقية مثيلاً لها من قبل، وهي مقولات تشكل بالتأكيد إطاراً تفتقده الثقافة العراقية.
فالدعوة المباركة وللمرة الأولى في تأريخ الثقافة العراقية تطرح على بساط البحث والمساءلة قضايا من قبيل إمكانية توجيه النقد لما يُسمى بالمرجعيات بكافة أشكالها، والدينية منها على وجه الخصوص. فهذه المرجعيات التي قرت في الذهنية الشعبية بصورة التابو المقدس الخارج عن دائرة النقد، كسرت الدعوة المباركة هالته الوثنية وأدخله دائرة الأشياء العادية ممكنة النقد. بل إنها أثبتت وللمرة الأولى إن احتكار هذه المرجعيات لعنوان المرجعية نمط من التحكم الديكتاتوري غير المقبول.
ولعل المثقف العراقي يشعر بوضوح كاف إن أعتى أمراض العقل العراقي تتجلى بداء التقليد الذي كرسته أزمان الديكتاتورية الثقافية – لا السياسية فقط – وكان لما يُسمى بالمرجعيات الدينية الدور الأجلى في صناعة هذا الورم الثقافي، لاسيما بعد أن غلفته بخيوط الحرير الدينية المزيفة.
هذه الأكذوبة الكبرى برهنت الدعوة من خلال طروحاتها النظرية النابعة من ذات الحقل المعرفي – القرآن وروايات أهل البيت ع – إنها فضيحة تاريخية، بل مؤامرة أسرت العقل العراقي الشيعي زمناً طويلاً، دون أن يكون لها رصيد ديني حقيقي.
كان يكفي المثقفين العراقيين هذه النتائج الباهرة – فضلاً عن سواها مما لا يسعه المجال – ليوجهوا نظرات مغايرة للدعوة، ولكنهم للأسف الشديد ما زالوا رهيني القفص القديم، قفص التقليد نفسه ذي الألوان المتعددة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هاغل: الرد السريع إذا تأكد أن دمشق استخدمت الكيماوي

(CNN)– إذا تأكدت المزاعم بشأن استخدام قوات الرئيس السوري بشار الأسد سلاحا كيماويا ضدّ شعبه، ...