المالكي بين بسمارك ودون كيشوت

الفكرة التي من المتوقع أن يكون قد بني عليها المعجبون بسياسة المالكي تصورهم ، يمكن
وصفها على الإجمال بالقول أن المالكي يخاطب التطلع أو الحلم الذي يداعب مخيلة الناس
بضرورة الخلاص من الفوضى العارمة التي تجتاح البلاد على كل المستويات .

فإذا كانت سياسة المالكي تتمحور حول فكرة إن بناء وطن يجد الجميع فيه ملاذاً آمناً
يتطلب تحقيقها نبذ كل العداوات القديمة والشروع بفتح صفحة جديدة ، فإن هذه الفكرة ? إذا
ما استبعدنا كلياً أي دافع شخصي مخاتل قد يكون كامناً وراءها ? هي أقرب ما تكون إلى
تسريح أكباش الغيوم البيضاء في فضاء المخيلة ، فهي فكرة تكاد تكون من نمط الأفكار
الرومانسية بامتياز ، على الرغم من قوة المنطق التي يمكن أن يراه البعض فيها .
نعم من الصحيح تماماً على المستوى النظري القول إن الأوطان لا تبنى على قاعدة العداوات
، والعقوبة التي تلحق بطرف سيتم اختزانها في النفوس بصورة ثأر متربص ينتظر فرصته
المؤاتية ، ولكن الحقيقة ? التي قد تكون قاسية ? هي أن مشتقات العقل المجرد غير الخاضعة
لمخاضات الواقع العملي ، وغير المتفهمة لكيمياء النفوس والأفكار التي تميز الواقع
العراقي ، والتي تغفل على نحو يحمل الكثير من الأهمية عن تفاعلات الوضع الإقليمي
والدولي والرؤية التي تترشح عن هذه التفاعلات فيما يتعلق بالقضية العراقية ، أقول هذه
المشتقات غالباً ما تكون مختلطة بعروق السم غير المرئية .
لا يشك أحد في أن حركة من قبيل ما أقدم عليه المالكي ? أو هكذا تتجه أفكار البعض على
الأقل ? يستدعي تحققها توفر خزيناً هائلاً من النوايا الحسنة ، والكثير أيضاً من
السذاجة ، ليس لدى المالكي حسب ، وإنما وبدرجة أكبر لدى جميع الأطراف المعنية ، وهنا
على وجه التحديد كان ينبغي لمستشاري المالكي ( سأفترض دائماً أن تحركات المالكي عراقية
المنشأ ) أن يدققوا طويلاً في حساباتهم .
فإذا كان بمقدورنا أن نفترض بصعوبة بالغة بأن البعثيين وغيرهم من القوى التي رفضت ما
ي?سمى بالعملية السياسية كانوا ينطلقون من نوايا وطنية مخلصة غير مشوبة بأية ضميمة ،
وإذا افترضنا أن اقتناعهم بخلوص نية المالكي من كدر الهم الانتخابي أمر ممكن ولو بتأثير
بعض أصحاب العواطف الجياشة من رفاقهم ، ولنفترض أيضاً أن الدول التي ترعاهم قد عنّ لها
أخيراً إنها يمكن أن تتعايش ، أو إنها لم تعد ترى بأساً في رؤية عراق موحد قوي ذي ملامح
ديمقراطية مزعجة ، إذا افترضنا كل هذا ، وافترضنا معه كذلك أنهم مقتنعين بأن المالكي
قادر على المضي بمشروعه برغم المعارضة المستميتة المتوقعة من بقية الأطراف الأخرى كحزب
الحكيم والأكراد والصدريين المفترض أنهم حلفاء المالكي ، فهل بإمكاننا إضافة المزيد من
الافتراضات ، من قبيل أن لا يفكر البعثيون بأن فرصتهم ضئيلة جداً في الفوز بموقع مهم في
ظل معادلات سياسية تفرضها قوى معادية ، وتأريخ مخجل غاص بالفشل والهزائم المنكرة ؟
أ ليس من الأقرب إلى التفكير السليم من وجهة نظر البعثيين أن يستمروا بدورهم المعادي
الموافق لرياح مؤاتية ينتجها مناخ أقليمي وعراقي كذلك يرفض نتائج العملية السياسية
الحاضرة ذات الصبغة الشيعية ، ويتطلع بتحرق شديد لتغيرها أو حتى تزويرها والانقلاب
عليها ، ومن أفضل من البعثيين للقيام بدور القرصان ؟
وهل يمكننا افتراض أن الأكراد لن يستغلوا تحركات المالكي لتأجيج نار الانفصال المتقدة
أصلاً ، أو افتراض أن حزب الحكيم لن ينبش مرة أخرى عظام الموتى ليقيم مندبة رثاء لا
تنتهي فصولها كرامة لأرواح المظلومين !!؟ وفي هذه الحالة أ لا يجد الصدريون أن ثمة
مشتركات تجمعهم مع حزب الحكيم ، وما عسى يكون موقف المتصيدين ؟ أ ليس الأقرب إلى منطق
الطمع أن يميلوا مع ما يظنونه أكثراً تأثيراً في الوجدان الشعبي ؟
إذن ما النموذج الأقرب لئن يكونه المالكي ? بسمارك الذي أفلح بواقعيته بأن يوحد ألمانيا
، أم دون كيشوت الرومانسي الذي دفعته أوهامه لمصارعة طواحين الهواء ؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هاغل: الرد السريع إذا تأكد أن دمشق استخدمت الكيماوي

(CNN)– إذا تأكدت المزاعم بشأن استخدام قوات الرئيس السوري بشار الأسد سلاحا كيماويا ضدّ شعبه، ...