من سمع ناطقا فقد عبده (فتوى الكلباني بحلية الغناء)!!!

بسم الله الرحمن الرحيم

د. موسى الأنصاري

قد يفهم المسلمون الآن سر تخلفهم ، وضياعهم ، واسترقاقهم من الآخر الذي استطاع بوعي اختيار سبيله الذي يراه مناسبا لمتطلباته ، فالغرب المادي عرف أنه لا يستطيع السير في غير سبيل المادة فهو لا يرى غيرها ، وحكم على كل ما لا يرى بأن يكون حبيس الذات الذي تصدقه وتعتقد به ، وشرع لذلك القوانين ووضع لذلك الآليات ، فتكون فضيلته بذلك أنه حدد طريقه الذي يسير عليه ، ومن ثم فهو يحصد ثمار طريقه ولا أحد يشك في ذلك ،

ولكن الطامة الكبرى ما نراها في العالم الإسلامي بسواده الأعظم فهو كما وصف حاله الحق بقوله سبحانه{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً * مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}(النساء/142-143) ، فالمسلمون يعلمون تماما أن الله سبحانه خلق عباده لمعرفته وليس للهو أو لطلب الدنيا ، ويعلمون أن لذلك سبيلا واحداً لا مناص عنه ، وهذا السبيل مازال يشكل لهم شوكة في الجنب كلما حاولوا التنصل بالقفز عليها أو محاولة التهوين من أمرها تشكهم وتقض مضاجعهم ، فكل المسلمين من دون اختلاف يعيشون وحدة الألم ، ولكنهم ـ ويا للأسف ـ يتفرقون في طب دائهم ، فكل يعالج داءه على وفق ما يشتهي ، مع العلم أن الثابت حتى في الطب البدني (المادي) أن على المريض في فترة علاجه يرى واجبا عليه أن يسلم تماما لمرادات الطبيب ولو جعله ذلك يتجرع الدواء المر ، ويستشعر الألم ، ولكنه يعلم بأن هذا الألم ضروري لخلاصه من مرضه ، ومن ثم تجده صبوراً في هذا الميدان ، أما في ميدان المرض الروحي فالجميع ـ وبصورة غريبة ـ يباشرون علاج أنفسهم على وفق ما يشتهون ، وهنا تكمن الطامة الكبرى .

يعلم المسلمون بعمومهم وبخاصة المتنورين منهم أن داء الأمة الإسلامية العضال بدأ بعد وفاة رسول الله(ص) وذلك باستحداث (مشفى) غير المشفى الإلهي اسمه (سقيفة بني ساعدة) وفي هذا المشفى عمل القائمون عليه على تغيير كامل الكيفية في التعامل مع علة الأمة الروحية ، مع العمل للحفاظ على بقاء اليافطة باسم الإسلام والعمل بتعاليم رسوله(ص) التي مازالت غضة طرية ، وأولى خطوات هذا المشفى الانقلابي ـ إذا جاز التعبير ـ حشر سواد الأمة ليخضع لجراحة تجعله يخضع للمقولة الشائعة اليوم بين عامة الناس (من أخذ أمك صار عمك) ولذا عليك طاعته ، بغض النظر عن كيفية الأخذ تلك ، ولذا عندما ظهر قوم رفضوا هذه الجراحة وأبوا أن يسلموا أنفسهم لهذه الجراحة التي تجعلهم يفقدون الدين الذي رباهم عليه رسول الله محمد(ص) واجهتهم إدارة السقيفة بإعلان الحرب عليهم والعمل على استئصالهم بمسرحية هزلية افتقرت لأدنى عناصر الترابط الموضوعي حتى يكون فيها شيء من الإقناع للجمهور الذي سيعيشها نصا تاريخيا ويقف حيالها موقف الحاكم عليها ، فكان أن تحول ما توهموه مشفى إلى مسلخة بشرية مورس فيها أبشع أنواع الوحشية ، فما فعله بطل هذه المسرحية (أبو بكر) والشخصية الثانية فيها (خالد بن الوليد) لا يمكن حتى للكبار رؤيته على الشاشة!! والسبب يعود إلى أن هاتين الشخصيتين عملتا على وفق التكييف الجديد لمؤسسة السقيفة الانقلابية ، فمورس تحت عباءة الإسلام كل شهوات الجاهلية في المشهد الذي شكل فيه خالد بن الوليد الشخصية الرئيسية ، حيث حاصر عشيرة مالك بن نويرة (وهم بطن من تميم) وفاوضهم وأمنهم ثم غدر بهم فقتلهم ، وبعد أن قتلهم وسبى نساءهم في مشهد دراماتيكي تختلط فيه التراجيديا مع الكوميديا بطريقة لا يستطيع إتقانها حتى أكبر الكتاب وأمهرهم ، عمل خالد بن الوليد وليمة كبيرة في موقع المعركة عنوانها الاحتفال بنصر (بذيء غاية البذاءة) لأنه افتقر لأدنى مبادئ الشرف العسكري في الحرب ، وعنوانها الأبرز هو (نزو) خالد على زوج مالك بن نويرة بعنوان (الزواج) مباشرة بعد قتله ، تماما مثلما يفعل اليوم الخلف الذي خلفهم في فتاواهم ، حيث امتهنوا هذه المؤسسة المقدسة (الزواج) وراحوا يكيفونها على وفق شهواتهم ضاربين بعرض الحائط التشريعات الإلهية المجعولة ممن أسس هذه المؤسسة العظيمة!!! ولم يكتف ابن الوليد لا بالمشهد الدامي الذي صنعه ، ولا بارتكاب جريمة الزنا والاغتصاب ، بل ذهب بعيداً عندما أولم لعرسه المزعوم فأراد الجند أن يطبخوا الذبائح التي نحروها احتفالا (بالنصر) وبـ(زواج قائدهم على سبيته التي لم يمض على مفارقتها لزوجها المقتول غير ساعات قلائل) فسألوه أنهم لا يجدون أثافي (وهي الحجارة التي يوضع عليها القدر للطبخ) يضعون عليها القدور ، وهنا المشهد الأبلغ في بيان حقيقة تلك المؤسسة الانقلابية المسماة بـ(السقيفة) حيث وجدت تلك العصابة الحل عند قائدها خالد حيث قال لهم : اقطعوا رؤوس القتلى واجعلوها أثافي تحت القدور ، وبذلك تم المشهد الدامي حيث أكل أولئك الوليمة الدموية على رائحة شواء رؤوس القتلى!! ولعل القارئ عاذر لإثارة قرفه من هذا المشهد الذي يفتقد حتى للبهيمية فضلا على أن ينسب للبشرية ، ولكن من ضرورات بيان الحقيقة هو أن يكون الكشف ـ وإن لم يبلغ واقع ما حدث ـ مقارب لواقع ما حدث ، ولم ينته المشهد هنا بل عندما وصل الخبر إلى (صدِّيق السقيفة أبي بكر) ماذا قال بحق قائده خالد عندما ضج الناس من هذا الحدث الجلل الذي ذكرهم بما كان يحدث في الجاهلية ، بل ربما في الجاهلية لا يقف التاريخ على حدث بهذه البشاعة ، حتى أن تلك الضجة دفعت مهندس السقيفة وصانعها الأصل (عمر بن الخطاب) إلى مطالبة أبي بكر بإيقاع قصاص الزنا بخالد فما كان جواب رأس السقيفة يا ترى؟؟!! أجاب بأريحية غريبة : دعه يا عمر فهذا (سيف الله المسلول) ، ومن هنا ، من هذه الحادثة التاريخية لازم هذا الوصف هذا الجلاد ، ولمن تصدمه هذه الحقيقة فليراجع ما يسمونه بـ(حروب الردة) ليطلع على ما حدث كي يتبين حجم الكارثة التي حلت بالإسلام والمسلمين بعد رحيل رسول الإنسانية والرحمة محمد(ص)!!!

فمن تلك الأيام ومسلسل الفتاوى الغريبة والعجيبة مستمر منذ الإفتاء بكون خالد (سيف الله المسلول) بل من قبلها فتوى صناعة السقيفة الإنقلابية وإلى يومنا هذا لم تتوقف تلك الفتاوى التي لا يملك حيالها الآدمي غير الانصعاق ، والنفور من كل ما يمت لدين أولئك بصلة ، ولذلك وجد النصارى مادة دسمة كي يهاجموا بها الإسلام ورسوله الكريم(ص) حيث شاع بين الناس أن الإسلام هو ذاته إسلام السقيفة ، كما هو شائع بين الناس عموما وبضمنهم المسيحيين أن دين عيسى(ع) هو ما أقره المجمع المسكوني في نيقية عام 325م ، وهكذا باقي الديانات الأخرى ، الدين لديهم هو ما صنعه الفقهاء ، وليس ما جاء به الأنبياء والرسل(ع) ، وما أسماء الأنبياء والرسل التي توضع عنوانا للدين سوى يافطات إعلامية وإعلانية حسب ، أما المحتوى فلا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بما جاء به الرسل والأنبياء(ع) من عند الله سبحانه ، ويكفي هذه الإشارة التي هي شائعة عند عامة اليهود بسبب علمائهم وهي ؛ أن من صنع العجل الذي عبده بني إسرائيل هو هارون(ع) ـ وحاشاه ـ وليس السامري ، فهل بعد هذه الجرأة على التاريخ والحقائق توجد جرأة؟؟؟!!!

ولذلك عندما قرأ الغربيون هذه التعاليم ونظروا في تناقضاتها الواضحة ، ولأنهم يعلمون أن لا طاقة لهم بمحو الدين من خارطة الحياة تماما ، وليس لديهم رغبة في البحث الحقيقي والجاد عن تعاليم الدين الحق ، لأنها لا تماشي هوى الناس تراهم ركنوا إلى هذا الحل الذي اختاروا فيه سبيل المادة إلى نهايته وحسموا خيارهم ، ولكن بقي المسلمون مذبذبين بين هذا وذاك ، وإلى الآن هم يعملون على هذا النهج الأعرج ؛ فلا هم من أهل الدنيا ولا هم من أهل الدين تماما كالغراب الذي أراد أن يقلد مشية الحمام فبلغ به الحال أن يضيع مشيته ولم يتقن مشية الحمام فصار أعرجا!! وهذا ما تكشفه فتاوى آخر الزمان ، فمن فتوى رضاع الكبير ، مع أن الرضاعة إنما كانت لتساعد الطفل على النمو وكون جهازه الهضمي غير مهيأ لتلقي الطعام المعقد والمتنوع ، يأتيك اليوم من يعيد الكبار إلى حاضنة الطفولة بدعوى غريبة عجيبة ، ولذلك تندر بعضهم بالقول ؛ إن أغلب الموظفات في الدوائر هن آنسات يعني ليس هناك حليب فكيف سيكون الرضاع؟؟!! بهذه العقلية البائسة يفصح دين السقيفة عن وجهه الحقيقي ، ثم ننتقل إلى فتوى السيستاني باتخاذ (زواج المتعة مهنة) وتلك الطامة الكبرى لأنه يعيد مسيرة الجاهلية الأولى صراحة ومعها تعود (صاحبات الرايات الحمر) ولكن هذه المرة من تحت عباءة المرجع الأعمى!! وصولا اليوم إلى فتوى (الكلباني) وهو من مشايخ الوهابية الكبار في السعودية الذي (أجاز الغناء والاستماع إليه بدعوى أن ليس هناك نص صريح لا في القرآن ولا في السنة يحرم الغناء) والمستثنى لديه من هذه الحلية هو فقط الغناء الذي يصاحبه المجون!!! وأترك التعليق للقارئ .

إن حمى الإفتاء المنتشرة بين طوائف المسلمين اليوم ، بل حتى في الديانات الأخرى لهي مؤشر صريح على أن هناك جهة حق مهتضمة ، وما هذه الحركة الدؤوب في الفتاوى المترادفة إلا علامة على ذلك ، حيث فتوى الكلباني الأخيرة بجواز الغناء لا يعترف بها حتى سائق التكسي الذي يقضي نهاره بسماع الغناء وهو يلف في شوارع المدن لأنه يعلم أن الدين يحرم الغناء ، وهو إنما يسمعه لتبريرات يسوقها ولكن كل تلك التبريرات يعود هو نفسه ويعترف بأنه لا قيمة لها ، ولكن العادة جرت هكذا ويغلق الموضوع ، ولم نسمع قبل الكلباني أحداً حتى من عوام الناس من قال أن الغناء حلال شرعا!! بل الغريب أن قناة العربية الفضائية لما نشرت الخبر وناقشته كتبت في (السبتاتيل) عبارة : فتوى مثيرة للجدل!! وحقيقة الحال هي فتوى مثيرة للفشل ، ومثيرة للإحباط من الحال التي وصلت إليها الأمة الإسلامية ، فأعراض الناس وكراماتهم ودماؤهم تستباح وتنتهك يوميا ، والكلباني مشغول : بالغناء والسبيل إلى الإفتاء بكونه حلالاً!!!

ولذلك بالعودة إلى عنوان المقال (وهو عبارة مأخوذة من أحد أحاديث أهل البيت(ص) التي تبين للناس سبيل الحق من سواه) ، يلحظ القارئ أن هذه العبارة حتى بنظر أولئك الذين لا يعرفون أهل البيت(ص) ولكنهم يحترمون إنسانيتهم يرونها وصفاً دقيقاً لحال الناس ، فلا أحد يقول أن دينه الذي يدين به هو خارج نطاق السماع ، بل هو محكوم بالسماع قطعا ، وهذا وصف حال واقع لا تقرير أمر غير واقع ، ولذلك الرواية الشريفة عن آل محمد(ص) تقول : [من سمع ناطقا فقد عبده ، فإن كان الناطق من الرحمن فقد عبد الرحمن ، وإن كان الناطق من الشيطان فقد عبد الشيطان .] ولذا فالذين يريدون استبانة حقيقة الأمر عليهم أن يسألوا أنفسهم هكذا كما قال آل محمد(ص) : لو انماز الحق من الباطل ، أين سيضعون تلك الفتاوى أ في جهة الحق أو الباطل؟؟ هل الغناء صوت حق ، وهل رضاع الكبير فعل حق؟ وهل امتهان زواج المتعة شريعة حق؟؟؟ الجواب الأكيد سيكون : لا وألف لا ، لذا سيستبين للناس أن الكلباني والعبيكان والسيستاني وكل رؤساء المؤسسات الدينية في العالم اليوم بلا استثناء هم صوت الشيطان قطعاً لأنهم أبعدوا الناس عن سبيل الله سبحانه ، وقطعوا كل السبل الموصلة إلى الله سبحانه على الناس ، ولذا فالناظر يرى بأن عينه ضياع الجمهور المسلم وتخبطه وتيهه ، فحاله تماما كما وصف الشاعر إيليا أبو ماضي :

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت

ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيت

وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري!!!!!!!!!

وربما سيجد الكلباني ضالته في هذه الكلمات فيقوم بصناعة لحن جديد لها شريطة أن لا يكون هذا اللحن يدعو للمجون!! وكما قال المثل (من هذا المال حمل جمال)!!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قناه الانوار تقطع الصوت على وكيل المرجعيه مرتضى الشاهرودي أثر بيانه للفساد المالي للمرجعية