المراسم الحسينية بين إفراط شيعة المراجع وتفريط المخالفين

بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم : د. موسى الأنصاري

إن القانون القائل (لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه) يترجمه واقع الناس اليوم وخاصة والأمة تعيش المناسبة الأليمة لواقعة الطف ، وجولة الباطل فيها في كل دهياء مظلمة ، وبقبالها وقفة الحق التي كشفت بفداحة الثمن المعطى عن عظيم ما سيكون ، وأي عرش لابد هو قائم في قابل الأيام؟؟!

إنه عرش الله جل وعلا ، ولعل من البديهي أن يفدى كل بيت يشارف الكمال بهدي يناسب عظمة البيت المبني ، وعظمة وجلالة بانيه ، فما بالك إذا كان البيت والعرش هو بيت الله وعرشه ودار تدبيره وحكومته ، وما بالك بالباني وهو سيد الخلق وأعظمهم وأعلاهم قدرا وشرفا وهو محمد(ص) القائل : [حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا] ، ولقد غرب المفكرون والمتكلمون وشرقوا في فهم هذا القول العظيم ، وما كان نصيبهم إلا اللف والدوران بجانب القول وما يختزن من حكمة عظيمة اجتهد رسول الله(ص) التأسيس لها منذ لحظات الإسلام الأولى أي ما حصل يوم الدار عندما دعا رسول الله(ص) أربعين رجلا من كبار بني هاشم وأخبرهم بأنه نبي هذا الزمان وأنه مرسل من الله سبحانه ، وأن الله جل وعلا قد تفضل على بني هاشم بأن جعل النبوة والرسالة والإمامة فيهم وسألهم ؛ من يستطيع أن يقوم بأعباء خلافته ووصايته والإمامة بعده؟؟ ولم يستجيب نداء الرسول(ص) مرتين متتاليتين غير علي بن أبي طالب(ص) فكانت تلك الوقعة التي نص عليها الكتاب المبين هي أولى المشاهد التي وضع فيها رسول الله(ص) حجر الأساس لدولة العدل الإلهي ، حينما قال جل وعلا{وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}(الشعراء/214) ، ولقد أتم (ص) البلاغ والإنذار لهم وألزمهم الحجة ولم يعبأ باستهزائهم وسخريتهم عندما توجه القوم إلى أبي طالب(ع) وقالوا له ساخرين ؛ لقد أمَّرَ عليك غلامك فاسمع له وأطع!!! واستمر (ص) يجاهد القوم ويجتهد في إكمال البناء الإلهي الحق وعلي(ص) معه خطوة بخطوة ، ويد بيد ، فكان بالمقام الذي يقصر عنه الوصف ويعجز عن مبلغه الكلام فكان الهادي للأمة بعد المنذر محمد(ص) ، قال تعالى{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}(الرعد/7) ، ومن بعده الهداة المهديين من ولده(ص) نور بعد نور يهدي الله لنوره من يشاء ، ولذلك كانت تأكيدات الرسول(ص) على إمامة الحسنين(ص) كثيرة رواها المخالف والمؤالف من مثل قوله (ص) [الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا] ، وحذر الأمة مما ستفعله بأهل بيته الطاهرين(ص) ، ولكن ـ ويال مرارة الـ لكن ـ ما رعوا عهد النبي(ص) ، وما وعوا مقالته!!!
وبعد أن حدث ما حذر منه رسول الله(ص) ووقع بتفاصيله المرة ، لم تتعظ الأمة من تجاربها المريرة ومسيرة الخذلان والتراجع عن دولة الحق والعدل حتى وصلوا إلى اليوم الذي حولوا من تلك الفاجعة الأليمة والرزء العظيم ساحة للمتاجرة والتكسب ، فكانت المراسم وخاصة بعد سقوط الطاغية وصولا إلى يومنا هذا مهرجانات للاستعراض ومواسم للرياء والدجل ، ومواسم لقتل الحسين(ص) وقتل رسالته تماما كما وصف ولده يماني آل محمد السيد أحمد الحسن(ص) : [والحق أقول لكم أيها المؤمنون إن يزيد (لعنه الله) لم يستطع قتل الحسين لأن الحسين(ع) ثار من اجل تثبيت حاكمية الله التي نقضت في السقيفة و الشورى الكبرى , وقد نجح الحسين في تثبيت حاكمية الله وإن الملك والتنصيب لله وبيد الله وليس للناس ولا بيد الناس لقد كانت ثمرة دماء الحسين وأهل بيته وأصحابه أمةٌ مؤمنة وقفت بوجه الطواغيت الذين تسلطوا على هذه الأمة ولم ترض هذه الأمة المؤمنة بتنصيب الله بدلا ,طوال أكثر من إلف عام ولكن جاء علماء أخر الزمان غير العاملين ليهدموا ما بناه الحسين بدمهِ الطاهر المقدس , جاءوا لتثبيت حاكمية الناس , ونقض حاكمية الله ولحسابات دنيويه رخيصة , باعوا دين الله ظنا منهم إن عقولهم الناقصة قادرة على تشخيص مصلحة الأمة ألدنيويه , مع أنهم لم ينظروا إلى مصلحة الأمة الأخروية مطلقا0 والحق أقول لكم أيها المؤمنون إنهم لن يستطيعوا قتل الحسين(ع) لأن الحسين(ع) وثورته الإلهية التي قامت على التنصيب الإلهي باقية بكم أيها المؤمنون أما هم فعندما يدعون أنهم يبكون على الحسين أو يزورون الحسين(ع) فإن الحسين يلعنهم لأنهم قتلته في هذا الزمان , لقد حاولوا هدم الثورة الحسينية وتضييع هدفها , ولكنهم فشلوا وعاد الشيطان مخزيا بعد أن تلاقفت أيديكم الطاهرة شعلة الثورة الحسينية , وبعد أن قرّرتم الحفاظ على هدفها المبارك حاكمية الله في أرضه بدمائكم الطاهره0](من خطاب الحج ليماني آل محمد(ص) السيد أحمد الحسن) .
نعم لقد اتضح هدف المرجعيات الشيعية والمطبلين والمزمرين خلفها أنهم عازمون على تحويل هذه المناسبة العظيمة إلى سوق للتجارة كما حوّل القرشيون قبل محمد(ص) الحج إلى بيت الله الحرام إلى مناسبة للتجارة وترويج البضائع ، وكما يفعل اليوم الناس كذلك في موسم الحج ، لقد ضيع المسلمون شعائر الله سبحانه واحتفظوا بمظاهر تلك الشعائر وراحوا يجتهدون في فضح ابتعادهم عن رسالة تلك الشعائر وما أراد الله سبحانه منها ، وذلك من خلال القيام بمظاهر هي أبعد ما تكون عن خلق التعبد لله سبحانه أو القيام بأمره ورسالته ، حتى راح أتباع مدرسة الشيطان(لع) يشاركون في هذه المراسم من خلف الستار من خلال تهيأة كل ما يلزم القيام بهذه المظاهر ، وحتى صارت المبالغة في تلك المظاهر مثار سخرية من أعداء آل محمد(ص) فراحوا يحملون وزر هذه الأفعال للطاهرين(ص) ونهجهم العظيم كي يصرفوا سواد الناس ويقنعوا أتباعهم بنجاعة انحرافهم عن نهج الدين القويم ، وينجحوا بذلك في جعل أهل الضلال يتمسكوا بضلالهم ويشككوا أتباع النهج الحق بنهجهم من خلال رؤية هذه المبالغة التي لا علاقة لها بالدين من قريب ولا من بعيد ، ومن جانب آخر تجعل من الهمج يتمسكوا بالناعقين بداعي التمترس الطائفي وحفظ المذهب ، والنتيجة التي يخرج بها أتباع الشيطان(لع) هي أنهم ينتصرون لوعد سيدهم إبليس(لع) الذي حكاه كتاب الله العظيم في قوله تعالى {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}(الحجر/39) ، ويخذلون دعاة الحق الذين غايتهم أن يخزوا إبليس(لع) ويكذبوا ظنه ويفضحونه على رؤوس الأشهاد .
إن وقعة الطف الأليمة كانت عِبرة ورسالة للحق وهي الأصل والغاية التي أراد الحسين(ص) تبليغها للأجيال القادمة بدمه الطاهر المقدس ، وعَبرة تستحضر من خلالها الإنسانية ضيعتها بعد تسلط القرود على مقاليدها ، وما حدث هو أن الناس مالت إلى جانب العبرة(الدمعة) ، وضيعت الرسالة ، ومع تقادم الأيام غاب فحوى الرسالة وازداد التركيز على الدمعة حتى تحولت إلى هذه المظاهر الغريبة العجيبة ، فاستحالت تلك المشاعر إلى مواسم تصاحبها الموسيقى ومظاهر رؤيتها تؤلم الأحرار وتوجع قلوبهم ، ولقد فتح أولئك الذين اجتهدوا في عمل تلك المظاهر الباب على مصراعيه لكي يتناخى أتباع الدين الانقلابي ممن وشجت سرائرهم على بغض أهل البيت(ص) في الدفاع عن يزيد بن معاوية(لع) ، ويحاولون تبرئة ساحته ، ومحاولاتهم المستميتة في جعل ما حصل في كربلاء هو قتال بين أهل المذهب بادعاء أن القاتلين(لع) هم كانوا من أتباع أمير المؤمنين(ص) ومن شيعته وقادة جيشه!!! وواقع الحال أن أولئك هم شيعة آل أبي سفيان(لع) كما وصفهم سيد الشهداء وأبو الأحرار أبو عبد الله الحسين(ص) ، وليس من شيعة علي(ص) من باع دينه بدنياه ، ولم يكن الشيعة غير أولئك الذين التزموا هذا السبيل فمنهم من قضى نحبه مع الحسين(ص) ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا .
لقد كان لإفراط شيعة المراجع بتلك المظاهر وإضاعة الرسالة والعبرة مندوحة واسعة لإظهار المخالفين لأحقية تفريطهم بالحسين(ص) وانحرافهم عن سبيله القويم ، والإصرار على نصرة الظالمين الذين فتنوا الناس بخطاب إعلامي زائف صوّر الطغاة فاتحين ، وصوّر أهل الدين متكاسلين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ولقد قارب هذا النهج الشيطاني على النجاح في طمس الثورة الحسينية المباركة وتضييع هدفها المقدس ، ولم يبق على وجه الأرض مؤمن يحمل هم هذه الثورة المباركة غير من سمته وصية جده رسول الله(ص) بـ(أول المؤمنين) حيث قال رسول الله(ص) في بيان حال هذا الوصي الذي يظهر على فترة من الأئمة : [فإذا حضرته الوفاة ـ أي الإمام محمد بن الحسن(ص) ـ فليسلمها إلى ابنه أول المهديين له ثلاثة أسامي اسم كاسمي واسم أبي وهو عبد الله وأحمد والاسم الثالث المهدي وهو أول المؤمنين](غيبة الطوسي:150) ، وعن أمير المؤمنين(ص) فيما رواه أبو الطفيل حيث قال : [فقلت : يا أمير المؤمنين قول الله عز وجل {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} ما الدابة؟ قال يا أبا الطفيل : إله عن هذا ، فقلت : يا أمير المؤمنين أخبرني به جعلت فداك ، قال : هي دابة تأكل الطعام وتمشي في الأسواق وتنكح النساء ، فقلت : يا أمير المؤمنين من هو؟ قال : هو رب الأرض الذي تسكن الأرض به! قلت : يا أمير المؤمنين من هو؟ قال : صديق هذه الأمة وفاروقها وربيها وذو قرينها! قلت : يا أمير المؤمنين من هو؟ قال : الذي قال الله تعالى {ويتلوه شاهد منه} والذي عنده علم الكتاب والذي جاء بالصدق والذي صدق به أنا ، والناس كلهم كافرون غيري وغيره!! قلت : يا أمير المؤمنين فسمه لي؟ قال : قد سميته لك يا أبا الطفيل ، والله لو أدخلت على عامة شيعتي الذين بهم أقاتل الذين أقروا بطاعتي وسموني أمير المؤمنين واستحلوا جهاد من خالفني فحدثتهم ببعض ما أعلم من الحق في الكتاب الذي نزل جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله لتفرقوا عنى حتى أبقى في عصابة من الحق قليلة أنت وأشباهك من شيعتي!! ففزعت فقلت : يا أمير المؤمنين أنا وأشباهي نتفرق عنك أو نثبت معك؟ قال : لا بل تثبتون ، ثم اقبل عليَّ فقال : إن أمرنا صعب مستصعب لا يعرفه ولا يقربه إلا ثلاثة ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن نجيب امتحن الله قلبه للإيمان ، يا أبا الطفيل إن رسول الله صلى الله عليه وآله قبض فارتد الناس ضلالا وجهالا إلا من عصمه الله بنا أهل البيت .](مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي:40، 41) ، وهو الذي سماه رسول الله(ص) في رواية أخرى حيث ورد عن : [عن إسماعيل بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكر المهدي فقال : إنه يبايع بين الركن والمقام ، اسمه أحمد ، وعبد الله ، والمهدي ، فهذه أسماؤه ثلاثتها .] (الغيبة للشيخ الطوسي:454) ، نعم لولا وجود هذا الوصي الكريم(ص) لذهبت جهود الأنبياء والمرسلين(ع) ولذهبت دماء الحسين(ص) وأهل بيته الأطهار وصحبه الكرام هدراً ، ولكنه وعد الله وميعاده ، والله لا يخلف الميعاد ، حيث قال عز من قائل {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(التوبة/33) ، ولولا هذا الرسول المبين(ص) لضاعت رسالة الحسين(ص) بين إفراط المدعين وتفريط المبغضين ، فهل من معتبر ينظر بعين الإنصاف والنصرة للحقيقة فينقذ نفسه من التردي في هلكات الجهل والظلم والظلمة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قناه الانوار تقطع الصوت على وكيل المرجعيه مرتضى الشاهرودي أثر بيانه للفساد المالي للمرجعية