بطلان التقليد

قال أمير المؤمنين (ع) في وصف إعراض هذه الأمة عن الإمام والقرآن :-
(( وانه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيئاً أخفى من الحق ، ولا اظهر من الباطل ، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله !! وليس  عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ولا انفق منه إذا حرف  عن مواضعه ،
ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف ولا اعرف من المنكر ، فقد نبذ  الكتاب حُملته ، وتناساه حفظته ، فالكتاب يومئذٍ وأهله طريدان منفيان وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما مأوىًً!! فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم ومعهم ، لان الضلالة لا توافق الهدى ، وان اجتمعا فاجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة ، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم ! فلم يبق عندهم  منه إلا اسمه ، ولا يعرفون آلا خطه وزبره !! ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة وسموا صدقهم على الله فرية وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة )) (نهج البلاغة ج2 : 41) .
فكل نبي عندما يريد أن يحاجج أتباع الشريعة التي تسبق مبعثه يحاججهم بكتابهم المنـزل من الله تعالى فمثلاً نبي الله عيسى (ع) حاجج اليهود بالتوراة التي نزلت على موسى (ع) قال تعالى :-
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) .
وقال تعالى :- (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) (الزخرف:63) .
ومحمد (ص) حاجج علماء اليهود والنصارى بالتوراة والإنجيل قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:146) .
وقال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ ) (الأعراف:157)  (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصف:6) .
• وينقل عن الإمام علي (ع) انه قال ما معناه:-
( لو ثنيت لي الوسادة لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم وأهل القرآن بقرآنهم ) .
والإمام الرضا (ع) عندما احتج على علماء اليهود والنصارى في مجلس المأمون (لع) احتج عليهم بالتوراة والإنجيل ، وأيضاً تواترت الأخبار على أن الإمام المهدي (ع) يحتج على أهل التوراة بتوراتهم وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم وعلى أهل القرآن بقرآنهم وأنه يدعو إلى المناظرة بالقرآن الكريم فيتأول علماء السوء عليه القرآن ويقاتلونه عليه ، وأحد فقرات خطبة الإمام المهدي (ع) عند قيامه :
( … ومن حاجني في القرآن فأنا أولى الناس بالقرآن …) .
وهذا ما فعله السيد احمد الحسن عندما أعلن عن نفسه بأنه مرسل من الإمام المهدي (ع) إلى الناس كافة حيث تحدى علماء المسلمين بالمناظرة في القرآن الكريم وقد أحجم القوم عن إجابته وأنزل لهم تفسير المتشابهات وتحداهم بالرد عليه ولم يجدوا حيلة لذلك .
بل اخذ فقهاء اخر الزمان العمل برأيهم وترك القران وكلام اهل البيت عليهم السلام وهم بذلك ينافون سيرة اهل البيت عليهم السلام وسيرة الفقهاء السابقين الذين ساروا بما خطه لهم اهل بيت النبوة عليهم السلام
قول المحدث الخبير ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني صاحب كتاب الكافي :-
• ( … فأحق ما أقتبسه العاقل ، والتمسه المتدبر الفطن ، وسعى له الموفق المصيب ، العلم بالدين ، ومعرفة ما استعبد الله به خلقه من توحيده ، وشرائعه وأحكامه ، وأمره ونهيه وزواجره وآدابه ، إذ كانت الحجة ثابتة ، والتكليف لازماً ، والعمر يسيراً ، والتسويف غير مقبول ، والشرط من الله جل ذكره فيما استعبد به خلقه أن يؤدوا جميع فرائضه بعلم ويقين وبصيرة ، ليكون المؤدي لها محموداً عند ربه ، مستوجباً لثوابه ، وعظيم جزائه ، لأن الذي يؤدي بغير علم وبصيرة ، لا يدري ما يؤدي ، ولا يدري إلى من يؤدي ، وإذا كان جاهلاً  لم يكن على ثقة مما أدى ، ولا مصدقاً ، لأن المصدق لا يكون مصدقاً حتى يكون عارفاً بما صدّق به من غير شك ولا شبهة ، لأن الشاك لا يكون له من الرغبة والرهبة والخضوع والتقرب مثل ما يكون من العالم المستيقن ، وقد قال الله عز وجل :( إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) فصارت الشهادة مقبولة لعلة العلم بالشهادة ، ولولا العلم بالشهادة ، لم تكن الشهادة مقبولة ، والأمر في الشاك المؤدي بغير علم وبصيرة ، إلى الله جل ذكره ، إن شاء تطّول عليه فقبل عمله ، وإن شاء رد عليه ، لأن الشرط عليه من الله أن يؤدي المفروض بعلم وبصيرة ويقين ، كي لا يكون ممن وصفه الله فقال تبارك وتعالى
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) لأنه كان داخلاً فيه بغير علم ولا يقين ، فلذلك صار خروجه بغير علم ولا يقين ، وقد قال العالم (ع) : ( من دخل في الإيمان بعلم ثبت فيه ، ونفعه إيمانه ، ومن دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل فيه ) .
وقال (ع) : ( من أخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وآله زالت الجبال قبل أن يزول ومن أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال ) .
وقال (ع) : ( من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن ) .
ولهذه العلة انبثقت على أهل دهرنا بثوق هذه الأديان الفاسدة ، والمذاهب المستشنعة التي قد استوفت شرائط الكفر والشرك كلها ، وذلك بتوفيق الله تعالى وخذلانه ، فمن أراد الله توفيقه وأن يكون إيمانه ثابتاً مستقراً ، سبب له الأسباب التي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وآله بعلم ويقين وبصيرة ، فذاك أثبت في دينه من الجبال الرواسي ، ومن أراد الله خذلانه وأن يكون دينه معاراً مستودعاً – نعوذ بالله منه – سبب له أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل من غير علم وبصيرة ، فذاك في المشيئة إن شاء الله تبارك وتعالى أتم إيمانه ، وإن شاء سلبه إياه ، ولا يؤمن عليه أن يصبح مؤمناً ويمسي كافراً ، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، لأنه كلما رأى كبيراً من الكبراء مال معه ، وكلما رأى شيئاً استحسن ظاهره قبله …) انتهى . أصول الكافي ج1 ص21
(من مقدمة الكتاب).
• أقول إن الشيخ الكليني هو المسمى بـ (ثقة الإسلام ) ، وهو معروف بالعلم والورع والتقوى وهو معاصر لزمن النصوص الشرعية أي انه عاصر السفير الرابع للإمام المهدي (ع) علي بن محمد السمري (عليه السلام) فيكون هو أدق في معرفة طريق أهل البيت (ع) وتمييز الخطأ والصواب .
• قول المحدث المتبحر المحقق الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي صاحب (وسائل الشيعة):-
حيث قال بعد ذكره للروايات المتواترة التي تنص على عدم جواز العمل بالرأي والاجتهاد وبعد ذكره للرواية التي تقول ( … فأما من كان من الفقهاء ، صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه مخالفاً على هواه ، فللعوام أن يقلدوه ، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم … ).
• فعلق على هذه الرواية بقوله : ( أقول : التقليد المرخص فيه هنا إنما هو قبول الرواية لا قبول الرأي والاجتهاد والظن وهذا واضح ، وذلك لا خلاف فيه ، ولا ينافي ما تقدم  وقد وقع التصريح بذلك فيما أوردناه من الحديث وفيما تركناه منه في عدة مواضع ، على أن هذا الحديث لا يجوز عند الأصوليين الاعتماد عليه في الأصول ولا في الفروع ، لأنه خبر واحد مرسل ، ظني السند والمتن ضعيفا عندهم ، ومعارضه متواتر ، قطعي السند والدلالة ، ومع ذلك يحتمل الحمل على التقية )) . انتهى وسائل الشيعة ج 18 ص 95.

• علي بن إبراهيم في تفسيره عند قوله تعالى
(وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال : قال أبو عبد الله (ع) نزلت في الذين غيروا دين الله وتركوا ما أمر الله ، ولكن هل رأيتم شاعراً قط يتبعه أحد ، إنما عنى بهم الذين (وضعوا) ديناً بآرائهم فتبعهم الناس على ذلك – إلى أن قال :(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات) وهم أمير المؤمنين (ع) وولده (ع) .
• تعليق الشيخ الجليل محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني صاحب كتاب (الغيبة) المتوفي سنة 360 هـ 971م على أصحاب الرأي والقياس والاجتهاد …
(…ثم أعجب من هذا ادعاء هؤلاء الصم العمي أنه ليس في القرآن علم كل شي‏ء من صغير الفرائض و كبيرها و دقيق الأحكام و السنن و جليلها و أنهم لما لم يجدوه فيه احتاجوا إلى القياس و الاجتهاد في الرأي و العمل في الحكومة بهما و افتروا على رسول الله (ص) الكذب و الزور بأنه أباحهم الاجتهاد و أطلق لهم ما ادعوه عليه لقوله لمعاذ بن جبل و الله يقول:
(وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ)
ويقول: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ) .
ويقول: (وَكُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ)
ويقول: (وَكُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ) .
ويقول (قل إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ) . ويقول ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) فمن أنكر أن شيئا من أمور الدنيا و الآخرة و أحكام الدين و فرائضه و سننه و جميع ما يحتاج إليه أهل الشريعة ليس موجودا في القرآن الذي قال الله تعالى فيه (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ) فهو راد على الله قوله و مفتر على الله الكذب و غير مصدق بكتابه.
ولعمري لقد صدقوا عن أنفسهم و أئمتهم الذين يقتدون بهم في أنهم لا يجدون ذلك في القرآن لأنهم ليسوا من أهله و لا ممن أوتي علمه و لا جعل الله و لا رسوله لهم فيه نصيبا بل خص بالعلم كله أهل بيت الرسول ص الذين آتاهم العلم و دل عليهم الذين أمر بمسألتهم ليدلوا على موضعه من الكتاب الذي هم خزنته و ورثته و تراجمته. و لو امتثلوا أمر الله عز و جل في قوله:
(وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) .
وفي قوله : ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)
لأوصلهم الله إلى نور الهدى و علّمهم ما لم يكونوا يعلمون و أغناهم عن القياس و الاجتهاد بالرأي و سقط الاختلاف الواقع في أحكام الدين الذي يدين به العباد و يجيزونه بينهم و يدعون على النبي ص الكذب أنه أطلقه و أجازه و القرآن يحظره و ينهى عنه حيث يقول جل و عز: ( وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) .
ويقول: ( وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ)
ويقول: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا)
وآيات الله في ذم الاختلاف و الفرقة أكثر من أن تحصى و الاختلاف و الفرقة في الدين هو الضلال و يجيزونه و يدّعون على رسول الله ص أنه أطلقه و أجازه افتراء عليه و كتاب الله عز و جل يحظره و ينهى عنه بقوله: (وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا) . انتهى كلامه أعلى الله مقامه . غيبة النعماني ص56 .
والشيخ النعماني مشهور بالوثاقة ويكفيه فخراً انه تلميذ ثقة الإسلام الكليني وكاتبه .
• قول المحدث الخبير العلامة ملا محمد أمين أسترابادي صاحب كتاب الفوائد المدنية :-
حيث قال ( وبالجملة وقع تخريب الدين مرتين ، مرة يوم توّفي النبي (ص) ، ومرة يوم أجريت القواعد والاصطلاحات التي ذكرها العامة في الكتب الأصولية ودراية الحديث وفي أحكامنا وأحاديثنا . وناهيك أيها اللبيب أن هذه الجماعة يقولون بجواز الاختلاف في الفتاوي ، ويقولون قول الميت كالميت ، مع انه تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار بـ ( أن حلال محمد (ص) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة ) .الفوائد المدنية
• وينقل لنا السيد الشهيد محمد باقر الصدر آراء علمائنا المتقدمين حول الاجتهاد والاعتماد على الدليل العقلي قائلاً :
(… وتتبع كلمة الاجتهاد يدل على أن الكلمة حملت هذا المعنى وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الأئمة إلى القرن السابع فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت ( ع ) تذم الاجتهاد وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الذي يتخذ من التفكير الشخصي مصدرا من مصارد الحكم ، وقد دخلت الحملة ضد هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الأئمة أيضا والرواة الذين حملوا آثارهم ، وكانت الحملة تستعمل كلمة الاجتهاد غالبا للتعبير عن ذلك المبدأ وفقا للمصطلح الذي جاء في الروايات ، فقد صنف عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري كتبا أسماه (الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس) .
وصنف هلال بن إبراهيم بن أبي الفتح المدني كتابا في الموضوع بإسم كتاب (الرد على من رد آثار الرسول وأعتمد على نتائج العقول) ، وصنف في عصر الغيبة الصغرى أو قريبا منه إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل النوبختي كتابا في الرد على عيسى بن أبان في الاجتهاد ، كما نص على ذلك كله النجاشي صاحب الرجال في ترجمة كل واحد من هؤلاء . وفي أعقاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق في أواسط القرن الرابع يواصل تلك الحملة ، ونذكر له على سبيل المثال تعقيبه على قصة موسى والخضر ، إذ كتب يقول : ( ان موسى مع كمال عقله وفضله ومحله من الله تعالى لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر حتى أشتبه عليه وجه الأمر به ، فإذا لم يجز لأنبياء الله ورسله القياس والاستدلال والاستخراج كان من دونهم من الأمم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك … فإذا لم يصلح موسى للاختيار – مع فضله ومحله – فكيف تصلح الأمة لاختيار الإمام ، وكيف يصلحون لاستنباط الإحكام الشرعية واستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة) .
وفي أواخر القرن الرابع يجئ الشيخ المفيد فيسير على نفس الخط ويهجم على الاجتهاد ، وهو يعبر بهذه الكلمة عن ذلك المبدأ الفقهي الآنف الذكر ويكتب كتابا في ذلك بإسم (النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي) .
ونجد المصطلح نفسه لدى السيد المرتضى في أوائل القرن الخامس ، إذ كتب في الذريعة يذم الاجتهاد ويقول : (إن الاجتهاد باطل ، وإن الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا الاجتهاد) . وكتب في كتابه الفقهي (الانتصار) معرضا بابن الجنيد – قائلاً : (إنما عول ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرأي والاجتهاد وخطأه ظاهر) وقال في مسألة مسح الرجلين في فصل الطهارة من كتاب الانتصار : (إنا لا نرى الاجتهاد ولا نقول به) .
واستمر هذا الاصطلاح في كلمة الاجتهاد بعد ذلك أيضا فالشيخ الطوسي الذي توفي في أواسط القرن الخامس يكتب في كتاب العدة قائلا : (إما القياس والاجتهاد فعندنا إنهما ليسا بدليلين ، بل محظور في الشريعة استعمالها) . وفي أواخر القرن السادس يستعرض أبن إدريس في مسألة تعارض البينتين من كتابه السرائر عددا من المرجحات لإحدى البينتين على الأخرى ثم يعقب ذلك قائلا : (ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا ، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا …) المعالم الجديدة للأصول ص39-41 .
( وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله ) .

ج – بعد التنـزل فان الرواية تخص من اعتمد في فتاواه على القرآن والسنة فقط وهم علماؤنا المتقدمون وبعض المتأخرين فان علماء الشيعة بعد غيبة الإمام المهدي (ع) لم يعملوا بالرأي ولم يعتمدوا على الأدلة العقلية الأصولية في استنباط الأحكام الشرعية مثل الشيخ الكليني صاحب كتاب الكافي المتوفي سنة 329 هـ والذي عاصر السفير الرابع علي بن محمد السمري (ع) والشيخ الصدوق ثقة الأمة صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه) المتوفي سنة 383 هـ والشيخ الطوسي صاحب كتابي (التهذيب والاستبصار) والمتوفي سنة 460 هـ ، والمحدث الحر العاملي صاحب (وسائل الشيعة) المتوفي سنة 1104 هـ ، والمحدث الأسترابادي المتوفي سنة 1033 هـ ، والسيد نعمة الله الجزائري المعاصر للقرن الثاني عشر من الهجرة ، والمحدث السيد هاشم البحراني المتوفي سنة 1107 هـ والفيض الكاشاني والميرزا النوري ومحمد باقر المجلسي صاحب بحار الانوار والمحقق الكركي صاحب كتاب هداية الأبرار وغيرهم الكثير من العلماء الأتقياء (رضوان الله عليهم) .
فهذا غاية ما يستفاد من الرواية بعد التنـزل وتكون الرواية شاملة للعلماء الذين يستندون في الإفتاء إلى الكتاب والسنة فقط ويسلكون طريق التوقف والاحتياط في الوقائع التي لم يصلنا حكمها من القرآن أو السنة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قناه الانوار تقطع الصوت على وكيل المرجعيه مرتضى الشاهرودي أثر بيانه للفساد المالي للمرجعية