محنة الشيعة في زمننا الحاضر

التعرض لنساء الشيعةلاشك في إن الكثير من العرب اليوم في غاية السرور لفرصة الشماتة التي وفرتها لهم العصابة السيستانية ، فعلى مدى التأريخ الطويل كانت العلاقة بين الشيعة وخصومهم تشيح بوجهها تماماً عن المسار الإيجابي المتمثل بالحوار الموضوعي لتتخذ مساراً واحداً سلبياً يتسقط العثرات ويختلق الشبهات وينطلق دائماً من مركزية تتحكم بالآخر وتصادر على ما بيده ، فأتباع الخلفاء كانوا دائماً ينطلقون من التصور الذي روج له الخلفاء للإسلام مفترضين مسبقاً أنه يمثل الأصل والتصور الصحيح وما عداه انحراف لابد من إعادته إلى أصله ، وكانت المصادر الحديثية التي كُتبت أصلاً من أجل تبرير الواقع القائم من جهة ، ومنحه بعداً شرعياً دينياً من جهة أخرى (من قبيل كتابي البخاري ومسلم) هي وحدها الصحيحة بالنسبة لهم ، أما غيرها فهي من اختلاق عبدالله بن سبأ اليهودي ( الشخصية ذات الأدوار الأسطورية بحسب العقلية السلفية المولعة بالأساطير ) .

 

وتتضح هذه الآليات التي تسيّر العلاقة بين السنة والشيعة، وقد تتخذ مسارات غاية في الخطورة، في اللحظات التي تشكل عادة منعطفات تأريخية، حيث يحاول أبناء مدرسة الخلفاء بكل ما أوتوا من قوة أن يعلقوا كل الإخفاقات برقبة الشخصيات الشيعية، فسقوط بغداد بحسبهم لم يكن السبب فيه تفاهة الملك المستعصم وجبنه وفساده وإنما هو العلقمي الشيعي الذي حاول جهده تجنيب الدولة المصير السيئ الذي آلت إليه ، ومقتل عثمان لم يكن سببه فساده المالي وعصبيته الأموية الجاهلية ، وإنما هو بعض المتآمرين من الصحابة يقودهم رجل يهودي ! هكذا بسذاجة عجيبة تمتاز عقلية ابن تيمية وأتباعه بتصديقها . حتى تلك اللحظات الحوارية التي دونت فيما بعد بمتون تؤرخ ما عُرف بعلم الكلام كانت في حقيقتها وثائق تحكي قصة صراع يلفظ أنفاسه الأخيرة ليُهيئ لمرحلة أخرى تتسم بالقطيعة الفكرية والتكفير ، فالمنهج الذي اعتمده علم الكلام كان يحاول من وراء الفنقلات ( فإن قلتم قلنا ) التي يتوسلها تأسيس متاريس فكرية تحجز الخصوم وتُبقي إلى الأبد على الهوة القائمة بينهم ، وبكلمة أخرى كان الخصوم يؤسسون من خلال علم الكلام ، الذي يبدو في ظاهره حراكاً تواصلياً ، يؤسسون لمرحلة القطيعة ، وما ترتب عليها من صور للصراع اتسمت في الغالب بطابع القوة الهمجية ومحاولة التسقيط والاستئصال .

 

لقد كانت الخطوط العريضة التي حفرتها مدرسة الخلفاء بتهور فكري لا مثيل له ، وبمصادرة لا يشبهها شيء سوى دفن الرأس في الرمال أو التقوقع داخل الصدفة الضيقة لتكون أشباح الظلام هي وحدها العالم ، تماماً كما وصف أفلاطون رجاله المقيدين في الكهف ، أقول كانت الخطوط العريضة لمدرسة الخلفاء بمثابة إعلان الحرب ، فالصحابة – بمفهوم المعاصرة التاريخية – شعب من الكائنات الخرافية المتعالية عن كل نقد ، والتشيع فكرة من إنتاج الفرس أو اليهود ( الترديد من أتباع مدرسة الخلفاء!!! ) ، التشيع إذن فكرة تدميرية لا يمكن حتى مجرد التفكير بإمكانية أن لا تكون كذلك، بله بمسألة التعايش معها .

 

هذه الفكرة لم تعد – ولم تكن في الأصل حتى – فكرة عقائدية عفى عليها الزمان ، كما يحاول البعض تصويرها، وإنما هي فكرة تقع في صلب السياسة ، بل إنها تختصر كل التاريخ الإسلامي الماضي منه والحاضر وتشكل العنوان الأبرز الذي يحرك الساحة السياسية والاجتماعية ، فالعرب اليوم ، حتى أولئك الذين صرفوا جل أعمارهم في دوائر العلمانية والشيوعية سرعان ما استعادوا خطواتهم الثعلبانية القديمة وشرعوا يتحدثون بفصاحة أمريكية عن الخطر الشيعي الذي يهدد بتدمير عالمهم الجميل المليء بالعمالة لأمريكا ، فالشغل الشاغل اليوم بالنسبة للسياسة السعودية والمصرية والأردنية والخليجية ليس شيئاً آخر سوى درء الخطر العظيم الذي تمثله إيران الشيعية الصفوية ( لا أشك في أن الكثير منهم يضيف وصف المجوسية ) ، وليست المسألة هي أن ثمة خطراً خارجياً حقيقياً متمثلاً بإيران ، أو إن إيران تهدد عروش ممالكهم أو إن جيوشها تقف على عتبات غرف نومهم كما هو شأن الجيش الأمريكي ، فالأخطار المحدقة بالعرب الغافلون المتخمون بالمال والغباء كثيرة ومتعددة الجهات ، إن المسألة ببساطة لا تُحتمل هي إن إيران شيعية ، أي إنها خطر شيعي !!

 

ولكن المحنة الشيعة اليوم لا تكمن حقيقة في العداء المستحكم الذي يضمره لها الآخر بقدر ما هي كامنة في الانحراف الخطير الذي تمثله السيستانية . فالعداء للشيعة ليس بجديد ، والمهم في الأمر أن الأعداء لم يتمكنوا أبداً من إيجاد ثغرة واحدة حقيقية في البناء الفكري الشيعي تحقق لهم ما صرف أسلافهم أعمارهم بانتظاره ، إن المحنة الحقيقية تتمثل اليوم بطبيعة التوجهات السياسية الإيرانية التي استغلت الدين لتحقيق مصالح قومية إيرانية من جهة ، وتتمثل من جهة أخرى هي الأخطر في السيستانية المقيتة التي تجثم على صدر العراق حتى لقد أصبح الشيعة اليوم كما وصفهم أمير المؤمنين (ع) : (( لا تنفك هذه الشيعة حتى تكون بمنزلة المعز، لا يدري الخابس على أيها يضع يده، فليس لهم شرف يشرفونه ولا سناد يستندون إليه في أمورهم )) (غيبة النعماني: 197).

 

فالنظام الإيراني الذي يتمسك ببدعة ولاية الفقيه يمارس سلوكاً سياسياً أبعد ما يكون عن الدفاع عن الجماهير الشيعية وثوابتها ، بل إنه يستغل عواطف جماهير الشيعة ويزج بهم في أتون معارك يجني هو وحده – أي النظام الإيراني – ثمارها ، ولا يخجل أبداً من إدارة الظهر لها وتركها مُستفردة حين تكون بحاجة لكلمة تخرج من فم من نصب نفسه ولياً عليها ، والحوادث الأخيرة التي شهدتها الحجاز دليل واضح على أن حدود ولاية الفقيه التي يدعونها لا تتجاوز الخارطة الإيرانية .

 

أما السيستانية التي لم تكتفِ بإهداء الخصوم ما صدقوا به ظنونهم المريضة وأوهامهم عن الشيعة – على الرغم من إن أتباع مدرسة الخلفاء كانوا دائما سباقين في العمل على وفق المنهج السيستاني الخياني وموقفهم من الاحتلال البريطاني للعراق مطلع القرن المنصرم شاهد صدق – فقد ذهبت بالخيانة إلى حدها الأبعد المتمثل بخيانة الله ورسوله وأئمة أهل البيت (ع) فهي لم تكتف من الخيانة ببعدها المتعلق بالركون إلى الظالم المحتل الكافر ، بل أضافت بعداً أكثر خطورة تمثل بتحريف حقيقة الإسلام التي يمثلها التشيع من خلال ادعائها الكاذب بأن موقفها هذا يمثل موقفاً إسلامياً صحيحاً ، فهي قد شرعنت الفعل الخياني المنحرف وتجلت هذه الشرعنة في مظاهر كثيرة أوضحها دأب السيستانية المتكرر على تصوير المشاركة بالانتخابات على أنها واجب شرعي يؤثم المتخلف عنه ، وذهابها إلى أن الفعل المقاوم للمحتل يُصنف في خانة العمل الإرهابي والخروج عن القانون ، بل إنها لم تكتف بهذه المهازل فراحت تحاكم الناس على أفكارهم المناهضة للمحتل والمنددة بالخروج السافر الذي أقدم عليه فقهاء آخر الزمان على ثوابت الدين والعقيدة ، فهي تقمع كل الحركات الشيعية المخالفة لبدعها ، وتسلط عليهم ميليشياتها المجرمة ، وكل ذلك يتم باسم الدين والنظام ، فما أقبح الذنب وما أقبح العذر .

 

إن المتوقع في الأيام المقبلة – لاسيما بعد تسرب أنباء المؤامرات التي يعدها الخصوم – أن يلحق بالشيعة ضرر كبير لم يسبق لهم أن مروا بمثيل له ، وسيكون مصدره العرب وحلفاؤهم العراقيون ممن ينصبون العداء لشيعة آل محمد ، فهل سيتدارك الشيعة أمرهم ، ويعلنوا بأعلى أصواتهم رفضهم للسيستانية الخائنة ، فالمسألة هذه المرة أكبر بكثير، والأهم إن الشيعة لا يمكنهم هذه المرة التعويل على الألطاف الإلهية التي حفظت المذهب في الزمن الغابر ، فالشيعة في ظل السيستانية قد خرجوا من ولاية الله ولم يعد لهم من نصيب سوى العقوبة الإلهية التي أظلتهم لو كانوا يعلمون ، ففي الرسالة الموجهة من الإمام المهدي (ع) إلى الشيخ المفيد ، يقول الإمام في فقرة منها: (… أنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء … الخ). هذه الفقرة من الرسالة الشريفة تنص بوضوح على أن مراعاة الإمام المهدي (ع)، وذكره الدائم لشيعته هما السبب في عدم نزول اللأواء، وعدم تمكن الأعداء من إلحاق الأذى بهم (واصطلمكم الأعداء). ولو نظرنا الآن الى واقع الشيعة لرأينا بوضوح أنهم في حال لا يُحسدون عليها، بل هم في أسوء حال، فمن جهة تفتك بهم العُصب الأموية، وتقتل منهم المئات يومياً، وتشرد الآلاف، ومن جهة أخرى يستذلهم المحتل الكافر، ويمعن بهم قتلاً وتنكيلاً وهتكاً للأعراض والكرامات، وكل ذلك وهم في أشد ما يكون التفرق والشقاق والاختلاف، و(كل حزب بما لديهم فرحون)، أقول إن حدوث كل هذه المآسي بالشيعة، وغيرها مما يعز على القلم إحصاؤه، ألا يدل قطعاً على أن الإمام المهدي (ع) قد رفع يده عنهم، ولم يعد يرعاهم أو يذكرهم؟ وما معنى رفع اليد عنهم ، أليس معنى ذلك أنه لم يعد يراهم شيعة له (ع)؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قناه الانوار تقطع الصوت على وكيل المرجعيه مرتضى الشاهرودي أثر بيانه للفساد المالي للمرجعية