ثقافة التبرير للخلفاء وتبرير أفعالهم

ملاحظة لا تكاد تخطئها عين من يتصفح الكتب السنية، وهي ولعهم غير المبرر بالدفاع عن الخلفاء   والصحابة والبحث عن كل ما من شأنه تبرير فعالهم وتصرفاتهم، حتى أنهم لا يمانعون من التمسك بأوهى  التبريرات وأبينها فساداً. بل للأسف الشديد كثيراً ما تكون هذه التبريرات على حساب الحقيقة، بل على   حساب رسول الله صلى الله عليه وآله.

ولننظر كيف يبررون مقولة عمر القاسية لرسول الله صلى الله عليه وآله في وهو يحتضر:

قال ابن حجر في فتح الباري: قوله غلبه الوجع؛ أي فيشق عليه إملاء الكتاب أو مباشرة الكتابة وكأن عمر رضي الله عنه فهم من ذلك أنه يقتضى التطويل، قال القرطبي وغيره ائتوني أمر وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال لكن ظهر لعمر رضي الله عنه مع طائفة انه ليس على الوجوب وانه من باب الارشاد إلى الأصلح فكرهوا ان يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شئ وقوله تعالى تبيانا لكل شئ ولهذا قال عمر حسبنا كتاب الله (فتح الباري لابن حجر:ج 1/ ص 186)، وقال النووي : كلام عمر، رضي الله عنه ، هذا مع علمه وفضله لأنه خشي أن يكتب أمورا فيعجزوا عنها، فيستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها. وقال البيهقي: قصد عمر، رضي الله عنه، التخفيف على النبي ، عليه الصلاة والسلام، حين غلبه الوجع . ولو كان مراده، عليه الصلاة والسلام، أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركهم لاختلافهم. وقال البيهقي: وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم، قيل: إن النبي، عليه الصلاة والسلام، أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر، رضي الله عنه، ثم ترك ذلك اعتمادا على ما علمه من تقدير الله تعالى. وقال الخطابي: لا يجوز أن يحمل قوله أنه توهم الغلط عليه أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحاله ، لكنه لما رأى ما غلب عليه من الوجع وقرب الوفاة خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلا إلى الكلام في الدين . وقد كانت الصحابة، رضي الله عنهم، يراجعون النبي عليه الصلاة والسلام، في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها، كما راجعوه يوم الحديبية وفي الخلاف وفي الصلح بينه وبين قريش، فإذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه أحد. قال: وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه الوحي، وأجمعوا كلهم على أنه لا يقر عليه. قال: ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم ، وإن كان قد رفع درجته فوق الخلق كلهم ، فلم يتنزه من العوارض البشرية، فقد سها في الصلاة، فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه، فيتوقف في مثل هذه الحال حتى يتبين حقيقته، فلهذه المعاني وشبهها توقف عمر، رضي الله عنه. وقال المازري في توجيه قول عمر مع ان قول النبي : (إئتوني): لا خلاف أن الأوامر قد تقترن بها قرائن تصرفها من الندب إلى الوجوب، وعكسه عند من قال: إنها للوجوب وإلى الإباحة، وغيرها من المعاني، فلعله ظهر من القرائن ما دل على أنه لم يوجب ذلك عليهم، بل جعله إلى اختيارهم، ولعله اعتقد أنه صدر ذلك منه، عليه الصلاة والسلام، من غير قصد جازم، فظهر ذلك لعمر، رضي الله عنه، دون غيره. (راجع: عمدة القاري للعيني: ج 2 / ص 171).

ولعلك أخي القارئ لاحظت أن كل ما ساقوه من تبريرات ضعيف لا يصمد أمام النقد، فلو كان عمر أشفق حقاً على رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان مستحقاً للطرد هو ومن حضر معه، فرسول الله – كما سنرى في الروايات قال لهم : قوموا عني. وأغرب منه قولهم أن عمر خشي على الأمة من الكتاب الذي أراد النبي كتابته، سبحان الله هل عمر يخشى على الأمة أكثر من رسول الله ؟؟ وكيف يخشى عليها الفرقة والكتاب كما قال الرسول (ص) يعصمهم من الضلال ( لن تضلوا بعدي أبداً )؟؟ ولو لم يكن الكتاب أمر عزيمة، وكان مجرد أمر مستحب وزيادة في الاحتياط فلماذا طردهم؟؟ مخالفة المستحب لا تستوجب الطرد، بل إن النبي قال عنهم أن أحلام النساء ( عقولهن ) أفضل من عقول من اعترض!! ولو كان كتاب الله وحده كاف لعصمة الأمة من الضلال، لكان رسول الله صلى الله عليه وآله خير من يعلم، ولما كان قال عن الكتاب الذي أراد كتابته ( ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً )، وسبحان الله هل كفاكم القرآن أم أنتم الآن فرق متناحرة؟

نص رزية يوم الخميس:

أخرج البخاري بسنده، عن ابن عباس أيضاً، أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشتد برسول الله وجعه يوم الخميس، فقال: إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا: هجر رسول الله ، قال : دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. قال: ونسيت الثالثة .[ انظر: صحيح البخاري: ج4/ص31،  المغني لابن قدامه: ج10/ص 613،  نيل الأوطار للشوكاني: ج 8/ ص 222].

وفي صحيح البخاري:ج5/ص137: وسكت عن الثالثة أو قال نسيتها. وفي مسند احمد: ج 1 / ص 222 جاء ما لفظه: سعيد بن جبير يقول قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه وقال مرة دموعه الحصى قلنا يا أبا العباس وما يوم الخميس قال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال ائتوني اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا ما شأنه اهجر قال سفيان يعنى هذى استفهموه فذهبوا يعيدون عليه فقال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأمر بثلاث وقال سفيان مرة أوصى بثلاث قال اخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت سعيد عن الثالثة فلا أدرى اسكت عنها عمدا وقال مرة أو نسيها وقال سفيان مرة واما أن يكون تركها أو نسيها.

وأخرج مسلم بسنده: عن ابن عباس، قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رؤيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله : إئتوني بالكتف والدواة، أو اللوح والدواة، أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فقالوا: إنّ رسول الله يهجر.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عمر، قال: لما مرض النبي قال: إئتوني بصحيفة ودواة، أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فقال النسوة من وراء الستر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله، قال عمر: فقلت إنكن صويحبات يوسف إذا مرض رسول الله عصرتن أعينكن، وإذا صح ركبتن عنقه! قال: فقال رسول الله: دعوهن فإنهن خير منكم.

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

(صحيفة الصراط المستقيم- العدد 30- السنة الثانية- بتاريخ 15-2-2011 م – 11 ربيع الأول 1432 هـ.ق)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

9 أعراض للاكتئاب تتعرف عليها لأول مرة.. أغربها منزلك غير النظيف

ارتفعت بشكل ملحوظ معدلات الإصابة بمرض الاكتئاب على مدار العقود الماضية، والغريب أنه بدأ يعرف ...