قادة الشيعة يؤسسون لمرحلة التنصل من مسؤولية الخراب الذي آل إليه العراق

أبو محمد الأنصاري

قبل ما يربو على عام صدر بيان عن الشيخ بشير النجفي ، تحدث فيه عن خيبة أمل المرجعية في الأحزاب الشيعية التي أوصلتها فتاوى المراجع الى سدة الحكم ، واعترف بصراحة لا يُحسد عليها بإن الموقف الشرعي الصحيح من الإنتخابات يقتضي القول ببطلانها ، ولكنهم تساهلوا بأمور دينهم وخدعوا الناس ومنوهم الأماني التي لم يتحقق منها شئ أبداً ، فلا دينهم أبقوا ولا دنيا حصلوا . 
لم يكن بيان الشيخ البشير كما قد يتصور البعض صحوة ضمير متأخرة ، ولم يكن الشيخ بصدد إعلان توبة نصوحاً من ذنب كبير ، فالشيخ في الحقيقة كان يراقب التذمر الشعبي الكبير والعواطف المستعرة غضباً على حكومة المرجعية التي إن أخذت طريقها الطبيعي في النمو والتشكل بصورة وعي ساخط فإن قدرها الحتمي هو الإطاحة بفقهاء السوء الذين أدخلوا الشعب في النفق المظلم ، وهكذا كان هدف الشيخ البشير في الحقيقة هو قطع الطريق على روافد هذا الوعي والحيلولة دون تجمعها بصورة تيار هادر لا يُبقي ولا يذر .
ومما يشير الى أن الشيخ البشير لم يكن بصدد توبة متأخرة انقدحت في رأسه الثمل ما صدر عنه من بيانات لاحقة تؤيد الدولة وتناهض القوى المعارضة والساخطة على عمالتها للمحتل ففي بيان له بتأريخ 27/3/2008 وبعد أحداث الإقتتال الشيعي – الشيعي في مدينة البصرة وغيرها من مدن العراق ، أوجب النجفي على الجميع التخلي عن سلاحهم ، وحصر السلاح بيد الدولة ، وحسب الدستور – على حد زعمه – وحث الشعب على معاونة الحكومة في إقرار الأمن !
والحقيقة أن المرجعية تمارس لعبة توزيع أدوار فيما يتعلق بوقائع الساحة العراقية ، في مسعى تضليلي واضح تصرف من خلاله الأنظار عن التركز عن كبيرهم السيستاني من جهة ، ودفع التساؤلات التي قد تثار بفعل التناقض الصارخ الذي يصدر عن المرجعية في مسرب تعددية الإجتهاد والمجتهدين ، بينما الجميع يعرف أن الثلاثة الآخرين لا حل ولا ربط بأيديهم فما هم إلا أدوات بيد ولي نعمتهم السيستاني . 
هذه الحقيقة تتضح أكثر كلما ضاق الخناق على المرجعية بسبب تردي الأوضاع السياسية والأمنية والمعيشية ، فكلنا يتذكر الفتوى الغريبة التي صدرت عن الفياض والتي قال فيها بفصل الدين عن السياسة ، وهي فتوى يعلم الجميع بأنها تناقض الواقع العملي لمؤسسة المرجعية التي تتدخل في كل صغيرة وكبيرة فيما يتعلق بالشأن السياسي ، بل يستطيع المرء أن يذهب الى القول بأن الحكومة إنما تنفذ ما يقرره مراجع النجف ، أو ما يلقى رضا منهم ، وعلى الأقل هي لا تخالف آراءهم السياسية في شئ مطلقاً .
والحقيقة إن فتوى الفياض التي ترافقت مع الحديث عن الإنتخابات المحلية ، وانطلاق مسيرة التفاوض على المعاهدة الأمنية الخيانية ، وبداية النزاع على كركوك ، أقول إن الفتوى المشار إليها كانت تهيئ الأذهان لمرحلة تنصل مؤسسة المرجعية من المسؤولية الدينية والأخلاقية والوطنية عن كل ما يمكن أن تؤول إليه الأحداث في العراق والمصير السوداوي الذي بدأت غيومه بالتجمع في سماء العراق بما ينذر بشر مستطير .
وها هو الفياض يصدر فتوى جديدة يقول فيها بأنهم – أي المرجعية – لا يدعمون أي قائمة في الإنتخابات المقبلة ولا يؤيدون أي طرف فيها ، ولكنهم في الوقت ذاته يحثون الشعب على الإدلاء بصوته في الإنتخابات على الرغم من كل الإنطباعات السيئة عن الأحزاب السياسية الفائزة في الإنتخابات السابقة ، وخيبة الآمال ، ولم ينسَ الفياض أن يضيف نغمة التخويف التي أصبحت لازمة المرجعية التي لا تمل منها فراح يحذر الناس من أن عدم مشاركتهم في الإنتخابات أمر خطير وعواقبه وخيمة عليهم لأن الخاسر الوحيد فيه هو الشعب ، والمستفيد الوحيد منه أولئك الأحزاب الذين استغلوا البلد وتحكموا بمقدراته .
ولا أدري حقاً كيف يكون الشعب هو الخاسر الوحيد وهل المرجعية تفصل نفسها عن الشعب ، أم تحاول تخويفه كما هو المرجح ؟
وعلى العموم لم تضف فتوى الفياض شيئاً جديداً للبيانات التي صدرت عن مكتب السيستاني وعن وكلائه مثل الكربلائي ، ولعلها – أي الفتوى – صدرت في توقيت متعمد من قبل المرجعية لتكون جواباً مناسباً لمناشدة أو استغاثة التركمان بالمرجع الأعلى فقد (( ناشد حزب «توركمان ايلي»، اكبر الأحزاب التركمانية في كركوك، المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني التدخل لانقاذ مدينة كركوك من التجاذبات السياسية الجارية بشأنها، ولفت الحزب في بيان الى «التوتر الحالي في الوضع الذي ينبئ بكارثة عمياء» ووجه «نداء استغاثة عاجلة لا تتحمل التأجيل لصد هذه الفتنة قبل وقوعها» )) .
الأمر إذن يشكل ظاهرة لافتة ، ويلاحظ على جميع البيانات أنها توحي للناس من طرف خفي بضرورة إنتخاب أحزاب المرجعية ، وهذا هو مقتضى الإشارة الترهيبية للأحزاب التي استغلت البلد ، أو التي تعمل على إرجاع عجلة الزمان الى الوراء كما في بيان الكربلائي ، وهو المدلول المستفاد من الإشارة الى ضرورة انتخاب من تثقون بهم !!
فالمرجعية لم تتخلَ عن أزلامها الذين ارتبط مصيرها بهم ، ولكنها تسعى الى إيجاد نوع من مسافة إبتعاد تمكنها من التنصل عن هؤلاء الأزلام في حال تعقدت الأمور وآلت الى الفشل الذريع .
ويبدو أن عدوى المؤسسة قد سرت الى غيرهم من المرجعيات الثانوية المشتركة في العملية السياسية ، فبعد يوم واحد على فتوى الفياض الأخيرة صدر عن اليعقوبي زعيم حزب الفضيلة الذي كان له دور كبير في زج الناس في محرقة الإنتخابات ، صدر عنه كلام يتضمن هجاء كبيراً للحكومة التي لم تقدم للناس شيئاً يُذكر ، وكان اليعقوبي قد أصدر في زمن لاحق بياناً تنصل فيه من مسؤوليته عن الوضع الذي آل إليه العراق بعد انتخاب من حثوا على انتخابه من الرجال الصالحين ، والذين اتضح لليعقوبي نفسه فيما بعد أنهم لم يكونوا صالحين بل سراق وحفنة من لصوص النفط !! ولم يكتف اليعقوبي في بيانه بنفض يده وتصويرها للناس وكأنها بيضاء من غير سوء بل راح يلقي باللائمة كلها على الناس ويتهمهم بالجهل والسذاجة .
وأخيراً جاء الدور على مقتدى الصدر الذي بدأ بإبعاد نفسه عن الجيش الخاص به ، وتجميد كل نشاطاته ، وبالأمس  كشفت صحيفة «تايمز» البريطانية عن أن صفقة سرية أبرمتها بريطانيا مع 
جيش مقتدى منعت القوات البريطانية من تقديم الدعم للقوات الأميركية والعراقية خلال الاشتباكات التي شهدتها البصرة هذا العام في إطار عملية «صولة الفرسان».
وقالت الصحيفة، نقلاً عن ضباط أميركيين وعراقيين شاركوا في العملية «إن أربعة آلاف جندي بريطاني، بينهم عناصر من القوات الخاصة ولواء آلي، راقبوا معارك البصرة من الخطوط الجانبية ستة أيام بسبب الصفقة السرية مع جيش المهدي».
ونقلت صحيفة الأخبار اللبنانية عن إحدى الصحف الأمريكية (( إن رجل الدين الشيعي وزعيم جيش المهدي مقتدى الصدر ينوي نزع سلاح جيشه وإعلانه منظمة اجتماعية، مشيرة إلى أنها حصلت، في وقت لم تحدده، على كراس يتحدث عن تحول وشيك في طبيعة جيش المهدي ومسار نشاطاته )) . 
هو إذن موسم الهروب الكبير بعد أن بانت ملامح الفشل الواضح لمشروع المحتل ، ولعل الأيام المقبلة ستشهد حراكاً دراماتيكياً في هذا الصدد .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قناه الانوار تقطع الصوت على وكيل المرجعيه مرتضى الشاهرودي أثر بيانه للفساد المالي للمرجعية