تظاهرات جموع المعزين المليونية بين تحريف الفقهاء وجهل المقلدين

هل تعي جموع المعزين معنى التظاهرات المليونية التي تنتظم بها في مناسبات الإمام الحسين (ع) ؟ هل تعي أية دلالات تصب في جوهر العقيدة فكرياً وسياسياً ينبغي لحركتها أن تكون مدفوعة بها ، وساعية لتجسيدها وتكريسها في حقل الواقع الاجتماعي الخارجي ، وبها وحدها ( أي الدلالات المشار إليها ) تكتسب هذه التظاهرات معناها ومشروعيتها ، بل ضرورتها وبالنتيجة بعدها الديني الذي حرصت كثير من النصوص الدينية على تأكيده بوصفه شعيرة مهمة من شعائر الإسلام المحمدي الأصيل ؟

هذا المعنى نجد صياغته الكبرى في قول رسول الله (ص) ( حسين مني وأنا من حسين ) ، ولو تساءلنا ما معنى قوله (ص) : وأنا من حسين ؟

يجيب السيد أحمد الحسن : الحسين (ع) في كل العوالم من رسول الله (ص) ودون رسول الله هذا أكيد ، ولكن الذي يُظهر أمر رسول الله (ص) وفضله ومقامه الرفيع وحقه ويعرّفه لأهل الأرض هو الإمام المهدي (ع) (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)(التوبة: 33)

فالدين الإسلامي المحمدي الأصيل يظهر على الأرض بالإمام المهدي (ع)، والإمام المهدي (ع) من ولد الحسين (ع) ، وثورة الإمام المهدي (ع) أساسها ومرتكزها الحقيقي هو ثورة الحسين (ع) ، فبالإمام المهدي (ع) تتحقق هذه الآية (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) ويعرف أهل الأرض محمد (ص) وعظيم شانه ومقامه الرفيع ، والإمام المهدي (ع) ثمرة من ثمرات الحسين (ع) ، وثورة الإمام المهدي (ع) الإصلاحية العالمية ما هي إلا الثمرة الحقيقية التي أنتجتها ثورة الحسين (ع) ، فبالحسين (ع) بقي الإسلام وبقي محمد (ص) وبالحسين يظهر الإسلام ويظهر محمد (ص) وبالحسين يعرف الإسلام ويعرف محمد (ص) . ويقول في موضع آخر : وقضية الإمام المهدي (ع) هي قضية الله ، وخاتمة الإنذار الإلهي وهي قضية عرش الله سبحانه وملكه ، وحاكميته في أرضه . قال تعالى (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات:107) أي بالحسين (ع) والمفدى ، هو : الإمام المهدي (ع) . فسلام على ذبيح السلام والحق والعدل .

واعلم أن : (علي الأكبر (ع) ذبيح الإسلام) ، كما إن : (الحسين (ع) ذبيح الله) ، والحمد لله وحده .

بهذا المعنى يتضح أن الإمام الحسين (ع) أراد لدمه الشريف أن يخط بأوضح الحروف الجوهر الأساس للدين الإلهي المتمثل بعقيدة التوحيد التي تتلخص بأن للوجود خالقاً وللخالق خليفة في الأرض هو وحده القادر على البلوغ بالإنسانية محطتها الأخيرة السعيدة ، لأنه المُنصَّب من قبل الله تعالى والمزود بما تحتاجه مهمته الخطيرة من عدة (( إني جاعل في الأرض خليفة ))، (( وعلم آدم الأسماء كلها ))، ((فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ )) ، هذه العناصر الثلاثة ؛ الجعل أو التنصيب والنص والإلهي ، والعلم ، والسجود للخليفة أو إطاعته ( سجود طاعة لا سجود عبادة ) هي قطب الرحى بالنسبة للدين الإلهي ، وهي أصل التوحيد ، إذ بها يُعرف خليفة الله وحجته على خلقه .

والآن هل إن جموع المعزين بتقاطرها الكبير الذي نشهده هذه الأيام تدرك هذا المعنى ، وتحقق بالنتيجة جوهر الشعيرة التي تمارسها ، أم إن الأمر لا يتعدى قوله تعالى : {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ }الأنفال35 ؟

لنتذكر أن معنى حاكمية الله والتنصيب الإلهي للحاكم تتناقض كل التناقض مع مبدأ الديمقراطية واللعبة السياسية التي تمارس في عراق اليوم ، ولنتذكر أن الغالبية العظمى – على الأقل – من هذه الجموع قد اصطفت بتظاهرات مشابهة على أبواب مراكز الاقتراع ، سواء في الانتخابات الأخيرة أو سابقتها ، وهذا يعني أنها تمارس أفعالاً متناقضة لا يمكن الجمع بينها بأية حال ، فهي في حركتها باتجاه ضريح الحسين (ع) تدين المبدأ الذي اصطفت بوحي منه على أبواب مراكز الاقتراع ، وتدين بالنتيجة نفس فعلها ، وهي باشتراكها المخجل في الانتخابات تدين مسيرها المعزي وتدين المبدأ المحفز والكامن وراءه !

إن تفسيراً صحيحاً لهذا التناقض لا يمكن الظفر به سوى بالتعرف على الواقع الفكري الذي تعيش هذه الجموع في دائرته المغلقة ، فهؤلاء الجموع ينتظمهم فكرياً ما يُسمى بمبدأ التقليد ، فهم مقلدون خاضعون للمقررات التي يمليها عليهم فقهاؤهم ، وهم بالنتيجة عباد أوثان .. ولكنها أوثان بشرية هذه المرة ، فقد ورد عن رسول الله (ص):(والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، حتى لا تخطئون طريقهم، و لايخطئكم سنة بني إسرائيل) (بحار الأنوار ج52 : 180). ومعلوم أن بني إسرائيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، كما أخبر عنهم القرآن الكريم:(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم). و ورد عن الإمام الصادق (ع) في تفسير هذه الآية ما مضمونه (إنهم لم يأمروهم بعبادتهم، ولو أمروهم ما أطاعوهم، ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فأطاعوهم فعبدوهم من حيث لا يشعرون).

وعن الصادق (ع):(لينصرن الله هذا الأمر بمن لا خلاق له، ولو قد جاء أمرنا لقد خرج منه من هو اليوم مقيم على عبادة الأوثان) (المصدر نفسه: 392). وبربط هذا الحديث بالحديث المتقدم، يتضح أن المراد من عبادة الأوثان هو إتباع الفقهاء المضلين.

إذن كان ينبغي لجموع المعزين أن يلتفتوا الى أن المعنى الثاوي في حركتهم يرفض كل الرفض هذه العملية السياسية التي زجهم فيها فقهاؤهم ، وعدم إلتفاتهم هذا وراء كل المصائب والعقوبات التي أحاقت بهم .

في الرسالة الموجهة من الإمام المهدي (ع) الى الشيخ المفيد ، يقول الإمام : (… أنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء … الخ). هذه الفقرة من الرسالة الشريفة تنص بوضوح على أن مراعاة الإمام المهدي (ع)، وذكره الدائم لشيعته هما السبب في عدم نزول اللأواء، وعدم تمكن الأعداء من إلحاق الأذى بهم (واصطلمكم الأعداء). ولو نظرنا الآن الى واقع الشيعة لرأينا بوضوح أنهم في حال لا يُحسدون عليها، بل هم في أسوء حال، فمن جهة تفتك بهم العُصب الأموية، وتقتل منهم المئات يومياً، وتشرد الآلاف، ومن جهة أخرى يستذلهم المحتل الكافر، ويمعن بهم قتلاً وتنكيلاً وهتكاً للأعراض والكرامات، وكل ذلك وهم في أشد ما يكون التفرق والشقاق والإختلاف، و(كل حزب بما لديهم فرحون)، وما أصدق ما وصفهم به أمير المؤمنين (ع) بقوله: (لا تنفك هذه الشيعة حتى تكون بمنزلة المعز، لا يدري الخابس على أيها يضع يده، فليس لهم شرف يشرفونه ولا سناد يستندون إليه في أمورهم) (غيبة النعماني : 197). أقول إن حدوث كل هذه المآسي بالشيعة، وغيرها مما يعز على القلم إحصاؤه، ألا يدل قطعاً على أن الإمام المهدي (ع) قد رفع يده عنهم، ولم يعد يرعاهم أو يذكرهم؟ وما معنى رفع اليد عنهم ، أليس معنى ذلك أنه لم يعد يراهم شيعة له (ع)؟

نعم فالشيعة وبوحي من فقهائهم أفرغوا الشعائر الحسينية ( بل الدين كله ) من كل محتوى ، وجعلوا منها حجاً كحج الوثنية ، فالشعارات ترفع اليوم باسم المراجع والبيعات والولاءات للمرجعية ولأحزابها ، والحسين (ع) ويا للعجب العجاب الذي يملأ القلب هماً أضحى بعرف عمار الحكيم وأبيه اللذين لا يدعان مناسبة إلا اعترضوا فيها الجماهير ونصبوا السرادقات ليخطبوا فيهم كأنهما الشيطان يغوي عباد الله ويصرفهم عن وجهتهم الحق ، أقول أضحى الحسين (ع) شهيد الديمقراطية بعرف هؤلاء المحرفين . ولكن العزاء إن يوم الله الموعود قد أظل هؤلاء المحرفين المنحرفين وعما قريب يحصدون ما زرعوا وما الله بظلام للعبيد .

Aaa_aaa9686_(at)_yahoo.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قناه الانوار تقطع الصوت على وكيل المرجعيه مرتضى الشاهرودي أثر بيانه للفساد المالي للمرجعية