جلال الصغير دجل ديني وبلاغة جوفاء

جلال الدين الصغير

جلال الدين الصغير

من يتابع النشاط الدعائي الذي ينهض به الصغير هذه الأيام سيجد نفسه بإزاء آلة كذب ضخمة تضخ الزيف والترهات وكلمات البلاغة الجوفاء ، فالرجل لا يتوانى عن تذكير القمر بأنه أعور ، ولا يتورع عن وصف أقبح الناس وأكثرهم غرقاً في الرذيلة بأنه الإمام العظيم والقائد الفذ ، وصاحب الأيادي المتوضئة .

زيف كثير ، وهراء بلا حدود يقذفه فم الصغير ، لا يكاد أحد يسلم من حصاه المتطاير ؛ لا الصديق المقرب حتى الأمس القريب ، ولا البعيد الذي يريد تجريب حظه العاثر في اقتطاع نصيب من الكعكة المطروحة على قارعة الطريق ، فبقفزة واحدة من قفزات العقل البهلوانية أصبحت الحكومة بكل فشلها وإخفاقاتها تعني طرفاً واحداً هو حزب المالكي ، على الرغم من سيطرة حزب الحكيم على الكثير من المناصب الوزارية ومجالس المحافظات ، فحزب الحكيم يركب اليوم – ولأغراض إنتخابية – مركب المعارضة للحكومة ويصب جام غضبه عليها بقصد تبرئة ساحته من جرائمها وآثامها ، فالمحافظات الخاضعة لسلطان سراق حزب الحكيم لم تنجز ما يفترض بها إنجازه بسبب تعويق الحكومة لعملها ، أما المحافظات التي تتحكم فيها مافيات الأحزاب الأخرى ( البصرة مثلاً ) فالسبب في أخفاقاتها ليس هو التعويق الحكومي ، ولا التخريب والعرقلة التي يقوم بها أصحاب الأيدي المتوضئة بالنفط من حزب الحكيم ، بل هو بالتأكيد فساد محافظيها !؟ بمثل هذا المنطق المزدوج يكوم الصغير وخطباء حزب الحكيم كلماتهم في أحضان مستمعيهم القادمين من كوكب بلوتو .

وأعجب ما في منطق الصغير تلك الوقاحة غير المسبوقة في التنظير لآلية الإنتخاب ، وللدوافع التي ترجح – بزعمه – إقبال الناس على الإنتخاب بدلاً من الإحجام عنه . فالصغير يرى الديمقراطية أفضل الوسائل لاختيار من يحكمونا ، ويرى أن ما تقرره الكثرة هو ما ينبغي أن يحظى بالإحترام والتقدير ، وبرأيه إن عدم المشاركة في الإنتخابات يعني إتاحة الفرصة للقوى المعادية ( معادية لمن ؟ ) لئن تتسلط على رقاب الناس ، لأن فوزها بأكثرية الأصوات يمنحها شرعية تغيير القوانين والدستور والسير بالبلاد على وفق برامجها التي تناقض الإرادة الجماهيرية وتناقض دينها ( فالدين يقع في صلب عملية الإختيار – كما يقول عمار الحكيم ) .

والعجيب في هذا المنطق الثعلباني إنه يتناقض تماماً مع ما كان يعده الصغير ثوابت لا تقبل التغيير ولا يمكن المساس بها ، ومنها المبدأ القائل بأن الكثرة لا تصلح معياراً لتحديد العقيدة الصحيحة ولاسيما ما يتعلق منها بموضوع الإمامة ، ومنها كذلك إن معطيات الواقع لا تصلح حكماً على العقيدة ، بل المفترض أن تكون العقيدة هي الحاكم على الواقع .

يقول الصغير في كتابه ( الإمامة ذلك الثابت الإسلامي المقدس ) الذي يرد فيه على طروحات محمد حسين فضل الله : (( المجتمع ليس معيارا للثبات والتغير ولا تمثل الدعوى التي أطلقها محمد حسين فضل الله في تفسيره للتغير والثبات في جوهرها خروجا عن دائرة الانحراف التي اختطت مسيرتها من التداعيات التي أنشأت الصياغة الفكرية التي قامت عليها أحداث سقيفة بني ساعدة ، كما أنها لا تفترق كثيرا عن الصياغة الفكرية للفلسفة الغربية التي رأت في حاكمية الكثرة الاجتماعية على صياغة الثوابت الفكرية ، وذلك بالصورة التي طالعنا فيها في مقالة ( الأصالة والتجديد ) . وقد قدم فضل الله فكرته عن الثبات والتغير مقومة على أساس الموقف الاجتماعي منها ، وقدم هذا الموقف مرة على أساس الفهم ، وأخرى على أساس الالتزام ، لذا تراه يقول : في داخل الثقافة الإسلامية ثابت يمثل الحقيقة القطعية ، مما ثبت بالمصادر الموثوقة من حيث السند والدلالة بحيث لا مجال للاجتهاد فيه ، لأنه يكون من قبيل الاجتهاد في مقابل النص ، وهذا هو المتمثل ببديهيات العقيدة كالإيمان بالتوحيد والنبوة واليوم الآخر . . وهناك المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها ومدلولها الاجتهاد مما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه ، ولم يكون موثوقا بالدرجة التي لا يمكن الشك فيها ، وهذا هو الذي عاش المسلمون الجدل فيه ، كالخلافة والإمامة والحسن والقبح العقليين والذين ثار الخلاف فيه بين العدلية وغيرهم ، والعصمة في التبليغ وفي الأوسع من ذلك بحيث يشمل الأفعال جميعها والآراء جميعها في شخصية النبي والأئمة ، وفي المسار الجسماني والروحاني ، وفي مستوى علم الأنبياء والأئمة ، من حيث علم الغيب ووعي الأشياء في الكون والحياة ، وفي مسألة حدود الشرك والتوحيد وغير ذلك مما يتصل بالجانب العقيدي . ويقول في موضع آخر بصورة جلية أكثر : الثابت هو الذي يملك ثباتا في وعي الناس لا الثبات في الواقع ، والمتحول هو الشئ الذي لا يرى الناس كلهم فيه ثباتا في الوعي . ويقول أنصاره : الثابت هو المقدس الذي لا يناقشه أحد من المسلمين ، بينما المتحول يخضع للمناقشة لاختلاف المسلمين فيه . ونحن هنا لسنا في صدد النقاش حول ما إذا كانت المفردات المذكورة لها هذا الموقع الذي ذكره في واقع النصوص والسالمية في وقاع المسلمين أو لا ، فلذلك مجاله اللاحق – إن شاء الله تعالى – لو كان يهمنا في البدء التوقف عند الزيف الذي حاول فيه أن يغطي على واقع النظرية السالمية في شأن الثبات والتغير ، فمن حقنا أن نتساءل عن الأساس الشرعي لفكرته عن الثبات والتحول ، ومن أي مصدر استقاها ؟ فإن كان ثمة أثر من نص أو دليل شرعي ، فنحن بحاجة لسماعه ، أما أن يكون الدليل الشرعي كتابا وسنة خلاف ذلك قلبا وقالبا ، فمن حقنا عندئذ أن نبدأ بإثارة أصابع الاتهام الفكري مرة ، والانحرافي أخرى فمن البديهي ضمن وجهة النظر الإسلامية أن قيمة الأفكار لا تكتسب من الواقع الاجتماعي مهما بلغ هذا الواقع في عنفوان ضغطه أو وطأة إغراءاته ، فالعملية الفكرية ليست انعكاس لهذا الواقع حتى نجعل هذا الواقع يتحكم في ثبات الأفكار أو تغيرها ، فالحق الذي جاء به النص المقدس يأخذ حقانيته من النص ، من دون أن يكون للواقع الاجتماعي أي أثر في تقييمه سواء قبله أو رفضه ! !

… ويقول في موضع آخر من كتابه : ثانيا الصعيد التشريعي ومن خلال الالتزام بالقول بحاكمية الواقع على النص ، سنوجه مشكلة تشريعية ضخمة ، فحيث أن فهم هذا الواقع يبقى في كل الظروف نسبيا يتباين من مجتهد لآخر ، ومن مدرسة فقهية لأخرى ، فما أراه مصلحة في قضية معينة ، قد يراه الآخر مفسدة عظمى ، وحيث أن ما جاء بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فهو فهم نسبي كما يزعم فضل الله ، فمن المحتوم عندئذ أن يتعدد فهمنا للأحكام الشرعية ، وحيث أن هذا الأمر يجبرنا على الاعتقاد بأن هذا الفهم هو فهم ظني للنص فلا يمكننا عندئذ إلا أن نقول بأننا نعتقد الصحة في فهمنا ، ولا نقول بخطأ من لا يرى صحة فهمنا ، بل حتى من يناقض هذا الفهم ، وهذا مفاد ( مبدأ التصويب ) الذي يجمع الإمامية ( أعلى الله شأنهم ) على بطلانه ، فيما تلتزم مدرستي أهل السنة من الأشاعرة والمعتزلة به على اختلاف فيما بينهما حوله )) .

الصغير هنا يرد على محمد حسين فضل الله بحجج من قبيل : إن المناط في تحديد الصحة هو ورود النص ، وحاكمية النصوص على الواقع ، ونسأله هنا : إذن ما عدا عما بدا ، ولماذا ضربتم بالنصوص عرض الحائط حين تعلق الأمر بمصالحكم الشخصية الضيقة ؟ فالمعروف لدى الجميع أن النظرية الإسلامية في تحديد الحاكم ( هذا ما يؤمن به الشيعة على الأقل ) تتناقض كل التناقض مع الديمقراطية ومقولاتها ، فكيف أصبحت الديمقراطية اليوم أفضل النظريات ؟ وكيف أصبحت المخاوف التي مصدرها الواقع حكماً على النصوص ، فقبلتم بالديمقراطية خشية أن يتسلط عليكم من لا يرحمكم كما تزعمون ؟

نعم هو الدجل الديني الذي شربتم ماءه العكر منذ نعومة أظفاركم ، ومبدأ الغاية تبرر الوسيلة ، والمصالح الذاتية التي تعلو لديكم على المبادئ ، هذه هي الحقيقة فهل تملكون الشجاعة على التصريح بها تكفون عن تزييف الثوابت الدينية التي تمارسونه ؟

Aaa-aaa9686_(at)_yahoo.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قناه الانوار تقطع الصوت على وكيل المرجعيه مرتضى الشاهرودي أثر بيانه للفساد المالي للمرجعية