لا إكراه في الدين!

                                         د. موسى الأنصفقهاء الضلالةاري

بسم الله الرحمن الرحيم

كثيراً ما يتطرق المتحاورون عن الحرية في الإسلام وعن أصالتها فيه فينبري المدافعون عن ذلك بالاستشهاد بقوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(البقرة/256) ،

بسم الله الرحمن الرحيم

كثيراً ما يتطرق المتحاورون عن الحرية في الإسلام وعن أصالتها فيه فينبري المدافعون عن ذلك بالاستشهاد بقوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(البقرة/256) ،

بل ويبالغون في الدفع والدفاع ، وهم بواقع الأمر لا يدافعون عما يصطلحون عليه (الحرية الدينية) في الإسلام ، وإنما هم يدافعون عن سياساتهم التي يرتؤونها في الحياة ، وهذه السياسات النابعة منهم لا من الإسلام يحاولون بشتى الطرق والوسائل صبغها بصبغة الإسلام استنادا إلى انتمائهم إليه ، حيث ينكشف أن سبب الدفاع ليس عن الدين الإلهي بما هو دين ، بل الدفاع هو عن (أنا) المنتمي لهذا الدين ، ذاك أن المتهم في ميزان الحرية (المادية) هو ليس الدين بما هو دين ، وإنما المتهم هو شخص المتدين الذي يجد أنه بممارسته لما يسمى بـ(الحرية) بالمنظور المادي أنه يقف على مفترق طرق ، ذاك أن هذه الحرية التي يدعو لها أهل النهج الدنيوي هي حرية تختلف جملة وتفصيلا عما يريده الدين من الحرية ، فالحرية المادية هي في الواقع (وهم) حرية ابتدعها الفكر الذي آمن بالمادة مبدأ وغاية ،

ولذا فهو يرى أن عليه أن يقاتل من أجل استفراغ ما يمتعه في الحياة تحت (يافطة الحرية) والدفاع عنها والمناداة بها ، ولذلك المراقب يلحظ اليوم بما لا حاجة إلى دليل عليه أن تلك الحرية المادية أدخلت على دساتير عدد من الدول مادة ـ سموها ـ قانونية هي في أصلها مادة مثيرة للقرف على المستوى النفسي ، بل وتعتدي على إنسانية الإنسان!!! تلك هي (تشريع) الزواج المثلي ، فهي من القباحة والتدني ما يجعل المرء يتقزز من هكذا أنفس منحرفة ومزاجات متدنية!!!

هذا يعد تشريعا مصورا (للحرية) الكبيرة في التشريعات الدنيوية ، وبمنظار تلك الحرية يتهم المسلمون أن دينهم يعد خانقا للحريات استنادا إلى تشريعاته في جانب العقوبة التي ـ كما يتوهمها الماديون ـ تدل على عنفية الدين وقسوته

، و… إلى ما هنالك من الأوصاف التي تثير حفيظة (أنا) المتدين بالدين الإسلامي فينبري مدافعا عن الحرية في الدين ، ليس من منظار الدين وتشريعاته ، بل من منظار المادية وتشريعاتها فيوقع نفسه في مأزق حيث يصطدم في التشريعات المبينة للعقوبات فتراه يلصقها بفهم المتشرعة من الفقهاء ، وفسحة الاجتهاد واحتمال الخطأ في الاجتهاد الذي يكافئ المجتهد المخطئ عليه نفسه بأن له أجر ، أما إذا اجتهد فأصاب فله أجران!!!

ولكي يثبت أن الحرية ـ بالمنظور المادي ـ هي موجود في الدين تراه يهجم على النص المقدس ويقتطع منه ما يجعله دليلا على دفاعه عن نفسه من أنه متدين يؤمن بـ(الحرية) ، ويتغافل عن سياق (لا إكراه في الدين) ويتوهمها أنها تشريع للحرية يضارع المفهوم المادي ، بل يتفوق عليه!!!

ولاشك في أن هذا اللون من الفهم يزيد من المأزق الذي يحاول المتدين الخروج منه ، وذلك لأنه يثير جملة من الأمور منها على سبيل المثال لا الحصر :

1- أن مفهوم الحرية بالمنظور المادي ـ بحسب ما يرى أولئك المتدينون ـ هو مفهوم صحيح ، بدليل أنه قادر على محاكمة الدين الإلهي والأخذ عليه بوصفه (قامع للحريات)!!!

2- يكون الدين الإلهي متهما ، وعليه أن يظهر براءته!!!

3- يعطي المنهج المادي الحق في محاسبة الدين الإلهي ، بل ومعاقبته إذا لزم الأمر وتسويق التهم له ، كما نرى اليوم فيما يسمى (الإرهاب)!!!

4- شرعنة الجانب الشهوي في الإنسان على الرغم من أن هذا الجانب هو سالب الإنسانية ، وليس موجبها ، حيث أنه الماحق لها ، والفاتك بهويتها حيث يمسخ الإنسان من خلال إقامته ويستحيل بهيمة بل أضل من البهيمة!!

5- تعطيل الدلالة الحقيقية للعبارة القرآنية (لا إكراه في الدين) ، من خلال إخراجها من سياقها الواقعي ، إلى سياق لا وجود له إلا في أوهام من يتصورون أنهم يدافعون عن (الحرية) في الإسلام ، فسياق الآية يتحدث عن جانب الاختيار في الحاكمية ، وهو اختيار (ابتلائي) تترتب عليه نتائج ذلك الاختيار حيث أن الميل إلى الطاغوت سيرتب عليه الخروج من النور إلى الظلمات ، بينما الثبات على عهد الله سبحانه والتزام حاكميته وتنصيبه يترتب عليه الاستمساك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ، وهذا ما لا يناقشه المتحاورون في مبدأ (الحرية) والتحرر حيث أنهم ـ كل الأطراف المتحاورة ـ ينظرون إلى مصطلح الحرية بالنظر المادي ، وهذا ما لاشك في أنه يعد إجحافا بحق القرآن عندما يحتج به المحتجون في تلك المواقع!!!

إن ما لا يفهمه الناس إلى يومنا هذا هو ؛ إن الله سبحانه مع قدرته على جعل الناس أمة واحدة ، ولكنه ترك لهم هامش الاختيار الابتلائي ، وليس الإمتاعي ـ إذا جاز الوصف والتعبير ـ قال تعالى{وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}(الشورى/8) أي أن الحق سبحانه بيَّن للناس سبيل الهداية ، وبالمقابل بين لهم سبيل الضلال ، وكشف لهم ثمرة كل سبيل وعاقبة السير فيه ، ووضعهم كلهم على حد سواء على نقطة بدء واحدة ، حيث قال تعالى{ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها}(الشمس/7-10) ومن تلك النقطة يشرعون بالعمل ويبدأ السباق ، وهذا اللون من الحرية لا يمكن للمادية أن تفهمه أو تعيه استنادا إلى القاعدة القائلة (فاقد الشيء لا يعطيه) فمن أين للفكر المادي أن يفقه هذا المفهوم للحرية وهو مفهوم ابتلائي ـ كما ذكرنا ـ بينما الفكر المادي ينظر إلى الحياة الدنيا على أنها ميدان لاستفراغ المتع ، والسعي الجاد إلى تحصيلها من خلال كل الوسائل المتاحة ، ولذلك لو يلتفت المتدين إلى دينه ويشغله الدفاع عن دينه لا عن نفسه من خلال دينه لاكتشف أن ما يتحدث عنه الماديون في قضية الحرية هو مفهوم متدنٍ تماما ، بل لا يمت إلى حقيقة الحرية بصلة حيث أن المفهوم المادي للحرية يريد تحويل البشرية إلى أنعام أو أضل من الأنعام لا همَّ لها سوى (لقلقها وقبقبها) على وصف الحديث الشريف ، في حين أن الله سبحانه خلق الإنسان وكرمه على المخلوقات لأنه خليفته في الأرض ، وهو مثال ربه سبحانه ، المخلوق كي يكون عارفا به ، متمثلا إياه ، حيث ورد في الحديث القدسي الشريف (عبدي أطعني أجعلك مثلي ؛ أنا حي لا أموت أجعلك حيا لا تموت ، أنا غني لا أفتقر أجعلك غنيا لا تفتقر ، أنا مهما أشاء يكون أجعلك مهما تشاء يكون)(الجواهر السنية للحر العاملي:361) ،

وكذلك ورد في الحديث القدسي (عبدي خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي ، وهبتك الدنيا بالإحسان والآخرة بالإيمان)(المصدر نفسه) ، وفي هذا الحديث الشريف ينكشف لنا أمر غاية في الأهمية مفاده ؛ إن الإنسان بالنسبة للأشياء غاية ، فكيف تكون الغاية منشغلة بما دونها؟؟؟!!! لاشك في أن ذلك خلاف الفطرة تماما ، وهذا ما بدأ يعيه العالم المادي ، فإنسان ذلك العالم بدأ يستشعر أن هذا الذي يلهث خلفه ويحسبه ماء ما هو إلا سراب بقيعة ، أما الماء الحقيقي الذي هو طلبته فليس بهذا الاتجاه ، وإنما هو باتجاه آخر ؛ باتجاه حاكمية الله سبحانه ، حيث إن غايته الوصول إلى الله سبحانه ، لا إلى ما توهمه الدنيويون حيث حاولوا جعله منهاج عمل لهم غايته (تحقيق الذات) ، وهم يقينا لا يفقهون معنى ما يقولون ، ذاك أنه لو كانت الذات البشرية حقيقة لما كان هناك من حاجة لتحقيقها لأن ذلك من تحصيل الحاصل ، أما وهم ساعون بجد إلى تحقيقها فهذا اعتراف ضمني منهم أنها ليست حقيقة ، والسعي لإثبات ما ليس بحقيقة هو من باب اللهاث خلف السراب ، لا يزيد الساعي فيه سرعته إلا بعدا عما ينشده!!!

إذن علينا أن نفهم أن ما يسمونه ـ اليوم ـ حرية في الدين هو في الواقع امتحان في الاختيار ، وليس كما يتصور المتصورون أنه اختيار غايته الاستمتاع ، ومن أين للناس أن تعرف ذلك وهي لا تفقه من دينها سوى القشور ، فالناس ـ وخاصة من يدعون انتماءهم للإسلام ـ هم اليوم غرباء عن الإسلام ، والإسلام غريبا بينهم ، فالناس اليوم لا تقبض على شيء من الدين سوى وريقات منه انتزعت من أغصانها فيبست وتغير لونها وصارت هشيما تذروه الرياح ، حتى وصلنا إلى الزمن الذي لم يبق فيه من الإسلام إلا إسمه ، ولا من القرآن إلا رسمه!!!

ونحن هنا أمام سؤال كبير ، ألا وهو ؛ متى طبق الإسلام نهجا للحياة كي نعرف مفهومه عن الحرية ما هو لنتحاور فيه ونحاور الآخرين؟؟؟!!!

إلى يومنا هذا والإسلام مهمش على أرض الواقع ، محارب أهله مطارد من يتكلم به ، مشرد الداعي إليه ، يرمى بشتى التهم والأباطيل ، وهي كما قال الله تعالى{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}(الأحزاب/62) وحتى أولئك الذين يدَّعون أنهم أرباب فكر ومعرفة أغلقوا نوافذهم وأبوابهم بوجه الداعي إلى الله سبحانه ، وراحوا يسفهون الأفكار العظيمة التي واجههم بها من خلال استجهال الجمهور واستعدائه عليه وعلى من يؤمن به ، لا بل الغريب أنك تجد الدول تتآمر على وأد ذلك الفكر ومطاردة أفراده وكأنهم يدعون الناس إلى ما يفنيهم ، وليس دعوتهم للناس دعوة إيحاء للموتى الذين خدعتهم الدنيا بغرورها ، وأنفسهم بخيانتها ، وغرهم المطال ، وتوهموا أن مهل الله سبحانه لهم هو تأييد لانحرافهم عن سبيله ، متجاهلين قوله تعالى{مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ}(غافر/4) ، بل الأنكى أنهم أخذوا يجادلون في آيات الله سبحانه وحججه ، فداعي الله أتاهم بدليل وصية جده رسول الله(ص) وأنه صاحبها فضلا على مئات القرائن والأدلة على صدق مقالته ، فما كان منهم إلا أن شمروا عن سواعدهم وبدؤوا يكتبون جدلا في هذه الآية من آيات الله سبحانه وغرهم أنهم اليوم يتسلطون على الرقاب وبيدهم سيف السلطة الذي يلوح للناس بحديه ؛ ترغيبا ، وترهيبا ولذلك كانت دعوة وصي ورسول الإمام المهدي(ص) السيد أحمد الحسن يماني آل محمد(ص) مدعاة للابتلاء بالدين ، فكانت دعوته بحق مصداقا واقعيا لمقالة جده الحسين(ص) (الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم ، يحوطونه ما درت معائشهم حتى إذا محصوا بالبلاء قلَّ الديانون) ، فكانت دعوته ابتلاء صادقا لدين الناس ، وبالمقابل أن كل هذا الذي يجري في العراق من تحول نحو (الديمقراطية الأمريكية) هو واقع عبادة الدنيا ، وسبحان الله الذي يصدق ما يقول أولياؤه(ص) ، فعلى الرغم من معرفة الجميع أن (الديمقراطية) دين وضعي لا علاقة له بالدين الإلهي من قريب أو بعيد ، نسمع ونرى أصواتا لأناس يكشفون لعق الدين على ألسنتهم عندما يحاولون جاهدين بكل ما أوتوا من شيطنة إلى جعل تلك الممارسة ـ الدنيوية بامتياز ـ ممارسة الدين يباركها ويدعمها بدليل دعم المرجعية الدينية لها ، وهذا مما لاشك فيه إن دل على شيء إنما يدل على مدى الانحطاط الفكري لكل أولئك الذين يحاولون المتاجرة بالدين من أجل الدنيا ، منقلبين على أعقابهم ، ينظرون إلى المعادلة الإلهية نظرا مقلوبا ، قال تعالى{وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ}(البقرة/14-17) ،

فالنظر الحق يدعو الناس إلى المتاجرة بالدنيا من أجل الدين كي يفوزوا برضا الله سبحانه وتربح تجارتهم ، وقد ورد عن أمير المؤمنين(ص) أنه قال : (الدنيا مزرعة الآخرة) ، وقال (ص) : (الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار غنى لمن تزوَّد منها ، ودار موعظة لمن اتعظ بها)(نهج البلاغة) ، وقال تعالى{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}(الشورى/20)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قناه الانوار تقطع الصوت على وكيل المرجعيه مرتضى الشاهرودي أثر بيانه للفساد المالي للمرجعية