لن تنالوا البر حتى تنفقوا ما تحبون

لن تنالوا البر حتى تنفقوا ما تحبون

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكتف الظالمون لسبيل الحق من مطاردة الداعين له ، وجعل أهله مشرَّدين في المنافي ، ومستبعدين عن مباشرة الحياة وبنائها على وفق النهج الإلهي ، بل عدوا على كلمات الله سبحانه بعدما غيَّبوا أهلها عن ساحة الحياة ليحرفوها بعد مواضعها

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكتف الظالمون لسبيل الحق من مطاردة الداعين له ، وجعل أهله مشرَّدين في المنافي ، ومستبعدين عن مباشرة الحياة وبنائها على وفق النهج الإلهي ، بل عدوا على كلمات الله سبحانه بعدما غيَّبوا أهلها عن ساحة الحياة ليحرفوها بعد مواضعها ، ولم يقفوا عند هذا الحد بل بالغوا في الأمر إلى الحد الذي جعلوا لألسنتهم الأعجمية سلطانا على كلام الله سبحانه فراحوا يقرؤونه بما يتوهمونه من أنه قول الحق مروي بطرق صنعوها ليسبغوا شرعية على التواءات ألسنتهم بقول الله سبحانه ، وأطلقوا عليها مصطلح (قراءات قرآنية) وراحوا يصفون من ارتضوا بالمتواترة ، وما لا يطيقون بالشاذة أو النادرة ، وعلى الرغم من استبعاد عدد من القراءات بداعي الندرة والشذوذ كي يجعلوها مهمشة ، بل ولا يرى لها اعتبارا ، ولم يدرجوا لآل محمد(ص) قراءة حتى في القراءات الشاذة أو النادرة ، حيث استبعدوهم تماما من تلك الساحة التي هم أهلها وسادتها ونبعها الصافي ، حيث أن من يقلب في كتب القراءات لا يجد لآل محمد(ص) صوت إلا اللهم بعض الأحرف التي يذكر فيها اسم الباقر(ص) أو الصادق(ص) هكذا عرضا من جملة قرّاء لا يعرف منهم سوى تلك الأسماء التي شحنت بها تلك الكتب ، وهذا الأمر لا يبدو غريبا على من مارس البحث في الدراسات الإسلامية ، فحركة التدوين التي بدأت بعد المائة الأولى هجريا ، أي في عهد الأمويين كشفت عن عداء الأمويين لكل ما هو إلهي ، ولكل ما يمت إلى حاكمية الله سبحانه بصلة ، حيث عملوا جاهدين على تخريب سبيل الله سبحانه بكل الوسائل وعلى جميع الصُعُد والمستويات ، سواءً على مستوى التشريع أو على مستوى العقيدة ، فكان شعارهم الذي حاربوا به حاكمية الله سبحانه على مستوى الاعتقاد (يا لثارات عثمان)!!! وحاربوا الحاكمية على مستوى التشريع من خلال فتح الباب على مصراعيه لتكوين المذاهب وتفرق الناس إلى ملل ونحل من دون أن يكون للأمويين أي دور في بيان مذهب الحق بل على العكس تماما شاركوا بفعالية عالية على استئصال شأفة مذهب الحق ، وقتل كل من يدعو له وتصفيته على مستوى الشخصية والشخص ، حيث يكفي لتسقيط المرء أن يوصف بـ(الرفض) ليكون بعد ذلك دمه حل لكل من هب ودب!!!

وليس هناك من شك في أن حركة التأليف في القراءات كانت غايتها الإلباس على الناس ، وتكثير التأليف في هذا الميدان يهدف إلى أمرين ؛ أولهما : تمييع النص المقدس وفتح الباب للأهواء كي يكون لها أثر فيه ، وثانيهما : إبعاد الناس عن اللسان الناطق بالحق من خلال إطلاق موجة الضجيج والضوضاء من أصوات تدعي ما ليس لها وهيأت لها السلطات الحاكمة من الأمويين ما يجعلهم نجوم المجتمع من خلال تسليط الأضواء عليهم ، وإسباغ القدسية الزائفة عليهم حتى أن القارئ اليوم لكي يعثر على اسم مؤلف كتاب من كتب تلك الفترة يحتاج إلى صبر على كوم الصفات والألقاب المسبغة على مؤلف ذلك الكتاب من مثل (ألف هذا المؤلف الشريف ذو اليراع المنيف والفكر اللطيف العالم الحبر …… إلى آخر تلك الجنجلوتية ثم يذكر اسمه فلان بن فلان) ، ولاشك في أن لكل لقب أو وصف سلطة يمارسها على القارئ حتى يحقق الغاية من ذلك ؛ ألا وهي استلاب القارئ وجعله يقرأ من دون أن يتدبر لما هاله من وصف قرأه عن صاحب هذا المؤلف حيث يداخله الشعور بالدونية أمام طود كهذا الذي يقرأ له!!! ومن ثم ينصرف الذهن عمن لا تسبق اسمه تلك الألقاب والصفات ، وينظر إلى عظيم القول الصادر منه على أنه قول لا يرقى إلى قول ذلك المسبغ عليه هالات الأوصاف والألقاب ، وهنا يغيب ما يسبقه (قال علي بن أبي طالب … ، أو قال جعفر بن محمد ….)(صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أئمة ومهديين) ، ذلك لأن نهج آل محمد(ص) ينصب على ما يقال ، والتدبر واقع فيه لأنه ثمرة المعرفة ، ولما رأى الأمويون ذلك اجترحوا لهم نهجا مخالفا تماما وحشدوا له كل الإمكانات المادية والبشرية كي يقيموه بين الناس ، وهذا النهج يستند إلى (من القائل وما ألقابه وصفاته) من دون النظر إلى ما يقول ، وهذا واضح تماما حيث أن سواداً من المسلمين عندما يقرؤون رواية يتصدرها اسم أبي هريرة الدوسي تؤخذ أخذ المسلمات ، بل أن القارئ لا ينظر إلى القول بعد إيراد اسم أبي هريرة بل يسرده إنشادا ويترنم به وكأنه ترنيمة من ترانيم نبي الله داوود(ع) ، حيث أن أولئك السواد ثبت في أذهانهم أن أبا هريرة من صحابة رسول الله(ص) بحسب ما أرَّخ له كتاب التاريخ في عهد الأمويين حيث سوَّدوا فيه الصفحات فيما قيل فيه وقيل له وما ذكر من شهادات رويت بحقه إلى غير ذلك مما لا يحلم به نبي من أنبياء الله سبحانه ، ولذلك نحنحة أبي هريرة كيفما تكون هي (نطق سامٍ) في عرف ذلك السواد!!!

وعلى ذلك النهج انبنت حركة التدوين الإسلامي التي غيبت أعظم نتاج معرفي بل وأضاعته ذلك هو نتاج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ص) القائل (سلوني قبل أن تفقدوني ، والله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل)(ذخائر العقبى للمحب الطبري:20) ومن قال فيه رسول الله(ص) (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ، ولذلك فعندما يكون الجرم بهذا الحجم العظيم فلا نستغرب أن لا تروى قراءة أهل البيت(ص) للقرآن ، لأن ساسة بني أمية ومن كتب في القراءات يعلمون أن القرآن بلسان آل محمد(ص) يكشف عن سر قول الله سبحانه{أَ فَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(البقرة/75) ، وقوله تعالى{فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(المائدة/13) ، وقال تعالى{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(المائدة/41) ، ومن ثم يفتضح أمر من حرفوا دين الله عن مساره ، وخربوا شرائعه!!!

ومن هذا التحريف قراءتهم لقوله تعالى{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ}(آل عمران/92) ، وهذه القراءة لاشك في أنها تجعل المتدبر يقف متسائلا عن كل مفردة في النص المقدس ، فالمعلوم أن (البر) هو ثمرة الطاعة ، والطاعة لا تكون إلا لله سبحانه ولمن نصبهم الله سبحانه قادة وسادة للحياة ، حيث قال جل وعلا{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}(النساء/59) ، وهذه الثمرة العظيمة لا تنال بإنفاق بعضيٍّ ، كما أن الحق سبحانه خلق خلقه ليكون مثله ، ولا يكون المخلوق كخالقه سبحانه إلا إذا تحلى بأخلاقه سبحانه ، وليس من خلق الله سبحانه أن يكون عطاؤه بعضيا ، وهو القائل عز وجل{قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}(طه/50) ، ومن ثم لا يكون دعاؤه لخلقه أن يتخلقوا بخلق هو ليس من خلقه سبحانه ، ولذا ورد في الخبر (عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : « لن تنالوا البر حتى تنفقوا ما تحبون» هكذا فاقرأها .) ، إذن قراءة آل محمد هي (ما تحبون) لا (مما تحبون) والفرق واضح بين القراءتين ، فواحدة تدعوك للتخلق بأخلاق الله سبحانه فتنفق كل ما تحب كي تنال البر ، وأخرى تدعوك إلى ما يشجع خلق الشح في النفوس ، والحق سبحانه يقول {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(الحشر/9) ، وقال جل وعلا {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(التغابن/16) ، ولاشك في أن قراءة (مما تحبون) التبعيض فيها واضح وليس هناك ما يبرر هذه القراءة ، مادام هناك قراءة أخرى تستند إلى خلق الله سبحانه والى ما صرحت به آياته الكريمة ، كما أن قراءة التبعيض فيها من التشجيع على خلق الشح المذموم ما لا يخفى!!! ومن هنا يمكننا أن نفهم لماذا هذه المحاولات المستميتة لإزواء قراءة آل محمد(ص) ، بل أن ممن يدعي أنه من شيعتهم من الفقهاء من زاد الطين بلة ـ كما يقال ـ عندما ثقل عليه أن يكون لآل محمد(ص) قراءة خاصة بهم ، فحوَّل ما روي عنهم(ص) من كونه قراءة وأنه قول الله سبحانه ـ بحسب ما يعتقدون ـ إلى أنه ـ بحسب رأي أولئك الفقهاء ـ تفسير وبيان!!! وهذا مما لا يخفى على القارئ اللبيب فيه تمحل واضح ، وليس لهذا التمحل من مبرر ، حتى من يعتذر بالتقية ، ليس من حقه أن يتصرف بما يروى عن آل محمد(ص) ، لأن هذا التصرف هو منهج يماثل بصورة من صوره ما فعله أولئك الذين اجتهدوا في إبعاد آل محمد(ص) عن مباشرة الناس لتعليمهم المعرفة بألوانها كلها ، وإذا كان لأولئك ما يعتذرون به من أنهم كانوا يخافون افتضاح أمرهم وانحرافهم عن سبيل الله سبحانه ، فما هو عذر من يدَّعي أنه من أتباع مدرسة أهل البيت(ص) ، ويقوم بصرف ما يروى عنهم(ص) عن سياقه ليجعله في سياق آخر هو ليس له!!!

إن من الواجب على من يدعي اتباع مدرسة آل محمد(ص) أن ينصفهم في هذا الميدان المهم والخطير الذي لاشك في أن إظهاره سيكشف عن مكنون علم حرمت منه البشرية بذرائع أوصلتها اليوم إلى جعل ما هو ليس بثابت مقام الثابت واتهموا المبادئ والأصول بالتحجر وحكموا عليها بالمصادرة من دون أن يكشفوا عن أسباب تلك المصادرة ، والغريب أننا لم نسمع عن أحد تحدث أن لآل محمد قراءة خاصة بهم تختلف تماما عن تلك القراءات التي حظيت بهذا الدعم الإعلامي الكبير ، ولقد آن الأوان للكشف عن تلك الكنوز المعرفية التي تعلن للعالم أن زمن حاكمية الله سبحانه قد أزف ، وليس لأحد أن يقف بوجه إرادة الله سبحانه ومشيئته ، قال تعالى{يُرِيدُونَ ليطفئوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}(الصف/8)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إكتشاف سلالة من البكتريا تجعل البعوض مقاوما للملاريا

إكتشف باحثون سلالة من البكتريا بامكانها إصابة البعوض وجعله مقاوما لطفيلي الملاريا. وأثبتت دراسة نشرها ...