عن اللغة العربية واللحن

عن اللغة العربية واللحن
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصل الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليما كثيرا .
كثيرا ما يعترض بعض الاشخاص هذه الدعوة اليمانية المباركة باعتراضات وشبهات ليست فقط واهية وانما وقبل كل شيء تشي بدرجة الإحراج الكبيرة التي تعيشها مرارتها الجهات المعاندة ، فلعله واضح للجميع ان الطريق الطبيعي لمناقشة دعوة ما يمر عبر تفحص الادلة التي ترتكز عليها وتثبت نفسها من خلالها ، اما تنكب هذا الطريق والدخول في منعطفات اخرى لا تمت بصلة لحقيقة الدعوة ولا ربط لها بادلتها فلا شك في انه يضعنا امام علامة سؤال كبيرة عن جدوى وغايات مثل هذا العمل غير المتصف بالحكمة وغير الموجه للهدف مباشرة . ان ما يتبادر للاذهان – ولا اكاد اشك في هذا – هو ان اللجوء الى الطرق الالتفافية يدل بقوة على ان المعاندين قد أُسقط بأيديهم ولم يجدوا ثغرة في جدار ادلة الدعوة الصلب المتماسك فعمدوا الى وسيلة العاجز الذي لا يعرف معنى لشرف الخصومة فحولوا جهدهم من مقارعة الدعوة الدليل بالدليل الى استهداف وعي الناس من خلال استثارة التشكيكات والشبهات بقصد صرفهم عن متابعة الدعوة والتفاعل معها تفاعلا ايجابيا .  
والحق ان شبهات من قبيل التركيز على مسالة النحو بقدر ما هي بعيدة كل البعد عن التفاعل الايجابي مع الدعوة بقدر ما هي واهية كخيط العنكبوت ، فمن المعلوم ان من يعترض بمثل هذه الشبهة يحاول التوصل الى نتيجة مفادها أن السيد احمد الحسن ع ليس بمعصوم وليس بحجة من حجج الله في أرضه ، وذلك عبر افتراض مقدمة تتمثل بوهم هذا المعترض المعاند بان المعصوم لا ينبغي له ان يخالف قواعد النحو الوضعية المعروفة اليوم، ومثل هذه الشبهة يمكن دفعها والنقض عليها بسهولة بالغة ، اذ يكفي ان نضع امامه بعض الروايات من قبيل ما ورد عن محمد بن مسلم قال : قرأ أبو عبد الله ( عليه السلام ) الآية الكريمة  {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ }الصافات75،: نوحا قلت : نوح ! ثم قلت : جعلت فداك لو نظرت في هذا أعني العربية ، فقال : ( دعني من سهككم ). الامام ع يقرأ هنا نوح بالفتح وهو فاعل حقه الرفع ، وحين يقول له محدثه : لو نظرت في العربية يجيبه بقوله : دعني من سهككم . والسهك ريح كريهة يجدها الانسان فيمن يتعرق وهو ايضا صدأ الحديد ورائحة السمك الزنخة . وفي مستدرك الوسائل – الميرزا النوري – ج 4 – ص 279 –  جاء رجل إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال : يا أمير المؤمنين إن بلالا كان يناظر اليوم فلانا ، فجعل يلحن في كلامه ، وفلان يعرب ويضحك من فلان ، فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( إنما يراد اعراب الكلام وتقويمه ، ليقوم الاعمال ويهذبها ، ما ينفع فلانا اعرابه وتقويمه ، إذا كانت أفعاله ملحونة أقبح لحن ، وماذا يضر بلالا لحنه ، إذا كانت أفعاله مقومة أحسن تقويم ، ومهذبة أحسن تهذيب ). وفيه عن حويزة بن أسماء قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : انك رجل لك فضل ، لو نظرت في هذه العربية فقال : ( لا حاجة لي في سهككم هذا ) . وروي عنه ( عليه السلام ) أنه قال : ( من انهمك في طلب النحو سلب الخشوع ). وقال ع ايضا( أصحاب العربية يحرفون الكلم عن مواضعه ) . وعن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم قال : كان أبو عبد الله ( عليه السلام ) يكره الهمزة . بمعنى انه ع كان لا يلفظ الهمزة كما هو الحال في لهجة قريش ، فالقرشيون لا يهمزون.. فلا يقولون بئر وانما بير .
هذا المقدار احسبه كاف لرد الشبهة، ولكن لا باس بمطاردة الشبهة حتى عقر دارها لنتبين حقيقة القواعد النحوية وكيف تم وضعها، وكل ما يتعلق بالخلفية المعرفية لما يسمى تجوزا بعلم النحو، ونتبين أيضا مقدار حظ هذا العلم من الشمول والاستغراق الذي يتطلبه مفهوم القانون العلمي، فمن المعلوم ان القانون الذي نحاكم على اساسه الظواهر لابد ان تتوفر فيه خاصية الشمول والثبات فلا يختلف ولا يتخلف ولا يقع تنازع فيه . 
وفي البدء لابد لنا ان نعرف ان الدرس اللغوي العربي قد نشأ بدوافع دينية فالهدف الاول منه كان التعرف على اللغة التي نزل بها القرآن الكريم وورد بها الحديث النبوي الشريف، يقول احد الباحثين (الدراسات القرآنية والحديثية نشطت في القرن الثاني وما بعده. وزاد اهتمام العلماء بها، وكان من أنواع هذه الدراسات النشطة التفسير اللغوي للقرآن والحديث، ففي هذه الفترة ألف أبو عبيدة كتابيه “غريب القرآن” و”غريب الحديث”، وهذا الضرب من العلم يتطلب من العالم أن يكون على معرفة باللغة رواية ودراية، لذا نشط العلماء في رواية اللغة وتلقيها)انتهى.  وكانت وسيلة العلماء العرب في جمع اللغة تتمثل بالهجرة الى المناطق البدوية العربية للسماع من رجالات القبائل وتسجيل تراثهم الشعري والنثري ثم العودة بهذا التراث ومحاولة غربلته واستقرائه لاستشفاف القواعد التي تنتظمه يقول ابن جني اللغوي المعروف: “إن اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه، وأما النحويّ فشأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه” . فابن جني يشير في هذا النص الى مرحلتين هما : مرحلة جمع اللغة أولا ومرحلة دراستها ثانيا . في المرحلة الاولى وهي مرحلة جمع اللغة نلاحظ ان جمع اللغة كان من قبيل الاستقراء الناقص ، فقد تركزت جهود اللغويين على قبائل معينة ولم تشمل كل القبائل العربية فقد كانوا يحددون قبائل وبيئاتٍ معينةً رأوا فيها تحقيق مبتغاهم، ومن هنا قالوا: ” كانت قريش أجود العرب انتقاداً للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعاً وإبانة عما في النفس. والذين عنهم نُقِلَت اللغة العربية، وبهم اقتدي، وعنهم أخذ لسان العرب من بين قبائل العرب، هم: قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم” . هذا النمط من الاستقراء كما هو معروف لا يتيح وضع قواعد تستغرق كل اللغة وتشمل جميع ظواهرها. فاذا كانت اللغة بنية واحدة أو كل واحد فالاستقراء الناقص لايمنحنا سوى وصف ناقص لحقائقها. واذا اضفنا الى هذا انهم قد اقتصروا بالاستشهاد على فترة زمنية محددة فلقد تم حصره على مستوى الشعر بالمئة والخمسين سنة الأولى ( انتهى عصر الإستشهاد بالشاعر ابراهيم بن هرمة ) ، وتم غض النظر عن القرون اللاحقة وما شهدته من تطور لغوي ، لا لشئ إلا لأن الجديد الذي ترشح عن هذه القرون لم يخضع لمقاييسهم المستقاة من عصور مغايرة ، اقول يتضح لنا اذن انهم بصنيعهم هذا قد ابتعدوا عن المنهج العلمي الصحيح الذي من شأنه الاحاطة بالظاهرة بصورة تشمل كل حالاتها، وهم بوقوفهم عند زمن معين أهملوا متابعة التحولات التي جرت على بنية اللغة . 
واذا كان الهدف من الالفاظ هو توصيل المعنى للمتلقي فان من المعلوم انه في زمن معين وفي مكان معين يتحصل هذا الامر بطريقة ليست بالضرورة تكون صالحة لكل زمان ولكل مكان، فلكل زمان ومكان اناس. ولعل الحقيقة الانسانية للغة أي كونها ظاهرة انسانية لها تعلق بالجانب العاطفي والارادي للانسان يجعلها متأبية على التحديد العلمي القواعدي فهي في حركة مستمرة وتطور لا يتوقف .
بل ان بامكاننا ان نقول وبضرس قاطع ان اللغة على الدوام وفي كل عصر لم تعرف الثبات على نسق قواعدي محدد فالعصر الجاهلي – وهو عصر الاستشهاد الاساس بالنسبة للغويين – كان يعرف لهجات متعددة فلتميم لهجتها ولقريش لهجتها ولاسد وهكذا هلم جرا. وهذا الواقع المتغير للغة قد انعكس على طبيعة الدراسة اللغوية يقول د.محمود حسن الجاسم في دراسة له عنوانها (أسباب التعدد في التحليل النحوي) :
( ان المرء يلحظ أن تعدد الأوجه في تحليل أحد العناصر التركيبية أمرٌ شائعٌ ومألوفٌ في درسنا النحوي، ومن ثم ألفنا أساليب الجواز عند النحاة، إذ نرى أحياناً أن أحدهم قد يجيز أكثر من وجه في عنصر ما. كما ألفنا الخلاف بينهم في أثناء التحليل، فمنهم من يرى وجهاً فيما يتناول، ثم يأتي آخر رافضاً ما سبق ومضيفاً وجهاً جديداً، وربما وقف أحدهم عند شاهدٍ ما قيلت فيه أوجه كثيرة تمثّلها جهات متنوعة، فيحاكم الأوجه ليضعف بعضها أو يرفضه ويرجّح أو يجيز بعضها الآخر، وهكذا شاع الجواز في تحليلهم وكثر الأخذ والرد بالترجيح والتضعيف والرفض في حوارهم ). هذا الكلام الذي يقوله الدكتور محمود يصور مدى الارباك والاختلافات التي عصفت بالدرس النحوي العربي ، اما الاسباب فيعود بها الدكتور المذكور نفسه الى ان النحاة بعد ان جردوا هيكلا نظريا وقواعديا للغة يتم القياس عليه وارجاع كل الظواهر له على اساس انه قد اضطرد في شواهد كثيرة واجهتهم شواهد اخرى لا تخضع لقواعدهم التي ابتكروها وهذه الشواهد لا تقل اضطرادا عن سابقاتها فما كان منهم الا ان يحاولوا توجيهها على ضوء القاعدة السابقة وجعلها تنقاد لها بصور كثيرة من التخريجات والتجويزات واختلفوا فيما بينهم اختلافا كبيرا انتج ما يعرف بالمدارس النحوية مثل مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة . واذا علمنا ان الفيصل بين المطرد وغيره ليس من السهولة تحديده، فالنحاة الأوائل لم يوضحوا وتركوا الأمر غائماً ، فعلى أي مقياس قالوا ان الظاهرة اللغوية المعينة مضطردة وغيرها غير مضطرد ؟ هذا السؤال تركوه دون اجابة ، بل انهم في الغالب الاعم كانوا يلجأون الى قواعد منطقية لا علاقة لها باللغة كمادة ليفصلوا القواعد على ضوء منها وهو الامر الذي دفعهم الى استبعاد الكثير من الظواهر اللغوية التي لم تكن تستقيم لمنطقهم الغريب عن اللغة. وعلى سبيل المثال ، ذهب قسم من النحاة إلى أن أسلوب القلب يجوز في الكلام والشعر اتكالاً على فهم المعنى، وبناءً على ذلك حلّلوا بعض الأساليب التي وردت في القرآن الكريم قياساً على القلب، على حين ذهب نحاة الأندلس إلى أن هذا النمط غير مطرد، ولا يجوز في الكلام إنما يجوز في الشعر اضطراراً، وبذلك لم يقيسوا تلك الأساليب التي وردت في القرآن الكريم عليه، بل وجهوها وجهة أخرى، ومثله ايضا الخلاف الذي وقع بين الكوفيين والبصريين وهو خلاف يكاد ينسحب على كل اكثر القواعد كما يستشف من كتاب “الإنصاف والانتصاف في مسائل الخلاف بين الكوفيين والبصريين” .
ولم تكن مشكلة الدرس اللغوي العربي مشكلة علمية تتعلق بطبيعة المناهج فقط بل ان عاملا آخر مهما ولعله الاهم كان وراء الاختلافات والتحكمات التي شهدها الدرس الغوي عموما والنحوي منه على وجه الخصوص وهذا العامل هو عقيدة علماء اللغة ، فالعقيدة كان لها دور مهم في توجيه الدرس اللغوي ليكون سلاحا فعالا في الصراع الفكري والمذهبي ، فالكثير من القواعد النحوية تم تلفيقها لتوافق مذهب معين على حساب مذهب اخر فابن هشام الانصاري مثلا يضع قاعدة لتحديد نوع الواو عاطفة او استئنافية وهدفه منها هو جعل الواو في قوله تعالى ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)(آل عمران: من الآية7) فيجعلها واو استئناف لاعطف لكي يلغي دور اهل البيت (ع). يقول احد الباحثين (للمنهج أهمية كبيرة وعظيمة في المعارف كلها إذ بدونه يحصل الاضطراب ويصعب الوصول إلى نتائج حاسمة وتتجلى أهمية العقيدة في المناهج كونها الركيزة الأولى التي تنبني عليها المذاهب المختلفة فما من فرقة إلا وتسلك في مناهجها مع ما يتفق مع عقيدتها وأهوائها ولذلك فإن معرفة منهج الشخص هو الطريق إلى معرفة عقيدته ). ويقول : (اختلف اللغويون قبل القرن الرابع الهجري في تعاملهم مع اللغة العربية لتقرير العقائد تبعا لاختلاف مناهجهم العقيدية فتوزعوا في خمسة مناهج رئيسة هي: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج المعتزلة ومنهج الأشاعرة ومن شابههم ومنهج الشيعة والرافضة ومنهج الخوارج ).
فالمنهج الاعتزالي كما يرى يتعامل على اساس العقل أو اللغة المجردة أو الأشعار في تفسير المفردات اللغوية الشرعية وتجريد الألفاظ العربية من المعاني التي تدل عليها وحملها على ما يتلاءم مع عقائدهم من غير مراعاة للسياق والتصرف في معاني الألفاظ الشرعية بالوجوه الإعرابية والقراءات الشاذة وتحريف مدلولات الصيغ الفعلية والأدوات والحروف حتى تنسجم مع مبادئهم والتحكم في سياقات اللغة العربية بالتأويل والتقدير وادعاء أن هناك محذوفا يجب تقديره ورد دلالات الألفاظ الشرعية بالأساليب البلاغية المستحدثة وعدم الأخذ بتفسير السلف للغة العربية ورده .
كذلك للمنهج الأشعري في تعامله مع اللغة العربية في تقرير العقائد سمات منها: الاعتماد على المنهج الاعتزالي مع اللغة العربية السالف الذكر وتفسير المصطلحات العقدية باللغة المجردة أو الأشعار وتطويع اللغة العربية لمتطلبات المذهب وصرف اللفظ عن ظاهره مع عدم بيان المراد منه وهو ما يعرف عندهم بالتفويض غير أنهم يخالفون المعتزلة فيما إذا كان تخريجهم للغة مخالفا لعقائدهم ويتقبلون ألفاظ النصوص المتعلقة بالغيبيات بناء على إثباتهم للسمعيات
أما منهج الخوارج فليس له سمات واضحة في تعامله مع العربية لتقرير العقائد لأنه كان قليل الحظ لدى اللغويين غير أن قدماءهم كانوا نصيين يغالون في فهم ظاهر ألفاظ الكتاب والسنة ولا يلتفتون إلى الأدلة الأخرى الواردة في المعنى نفسه فأوقعهم ذلك في التكذيب لما يخالف ظنهم من الآيات والأحاديث والتكفير على الكبائر وتوابعه أما متأخروهم فقد تأثروا بالمعتزلة وأخذوا بمناهجهم مع اللغة العربية لتقرير العقائد . 
اذن الدرس اللغوي لم يكن بريئاً كما يظن من لا علم له ولم يكن علميا ايضا ، ولابد من الاشارة هنا الى مسالة مهمة فالنحويون حين وضعوا قواعدهم كانوا يقولون ان القرآن نزل بلغة العرب لايخالفها في شيء ابدا ( مع ان بعض الكلمات فيه غير عربية تماما مثل منسأته )  ووضعوا القواعد النحوية بناء على الايات القرآنية في كثير من الاحيان . ومع هذا نجد القرآن يخالف قواعدهم في مواضع ليست قليلة غفلوا عنها وربما لو التفتوا لها عندما وضعوا القواعد النحوية لوضعوا لها مايناسبها، وهذه على اية حال مغالطة فعندما تضع قواعد للكلام مبنية على كلام معين ثم تقول بعد وضع القواعد ان هذا الكلام المعين مطابق للقواعد ، والحقيقة هي انك وضعت القواعد اصلا لتطابق هذا الكلام . وهذا موجود في استدلالهم النحوي فهم يستدلون على صحة قاعدة نحوية بالقرآن . بل في كثير من القواعد لايوجد شاهد للقاعدة عندهم غير القرآن . ومع هذا يقولون وضعنا القواعد النحوية لفهم القرآن؟ 
لو كانوا حقا وضعوا القواعد النحوية لفهم القرآن فما معنى مخالفة القرآن للقواعد النحوية او ربما الاصح ان نقول  لماذا لم يلتفتوا لهذه المواضع التي تخالف قواعدهم عندما وضعوا النحو ولماذا لم يأخذوها بعين الاعتبار في قواعدهم :
مثل قوله تعالى : (  قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(البقرة: من الآية124) والصحيح بحسب القواعد النحوية الظالمون لانها فاعل وليس صحيحا ماخرجوه بقولهم من نالك نلته 
وغيرها كثير من الامور التي تعللوا لها باعذار ومخارج لانها خالفت قواعدهم النحوية.
وتوجد مسألة اخرى هي ان الشيعة يقولون ان عليا ع هو واضع علم النحو ويستدلون بما قاله ع لابي الاسود الدؤلي وهذا غير صحيح فما قاله علي ع هو تقسيم للكلام الى اسم وفعل وحرف ، وهذا التقسيم يمكن القول بانه لا علاقة له بعلم النحو بما هو علم يهتم بحركات أواخر الكلمات، ثم أن الخبر الذي يسوقونه في هذا الصدد مرسل بحسب قواعدهم في علم الحديث، ومأخوذ من كتب ابناء العامة، بحسب تتبعي له.
بقي ان اقول ان  الحركات الإعرابية التي يهتم بها علم النحو لا تقدم ولا تؤخر كثيراً فيما يتعلق بوظيفة اللغة التوصيلية ، يدلك على ذلك إنك حين تأتي بجملة ، أو كلام لا تلتزم فيه بالقواعد الإعرابية ، أو تأتي به على غير ما تقرر هذه القواعد ، سيخاطبك الرقيب النحوي قائلاً : لقد أخطأت في رفعك الكلمة الفلانية ، وفي نصبك الأخرى ، فالأولى مفعول به حقه النصب ، والثانية فاعل حقه الرفع ، وحين تقول له : ولكنك فهمت ما أريد قوله على الرغم من هذه الأخطاء النحوية ، فما قيمة نحوك إذن ؟ سيجيبك على الأرجح : ولكن هذه القواعد وضعت لحفظ اللسان من الغلط ، والإلتباس ! ولكن عن أي خطأ ، أو التباس يتحدث النحوي إذا كان قد فهم كلامي ؟ 
الحق إن علينا أن نتساءل عن القيمة والوظيفة التي يؤديها النحو ، لاسيما ونحن في حديثنا اليومي ليس فقط لا نخضع لقواعد النحو ، وإنما أيضاً – وهذا له دلالة مهمة – نكاد ننسفها نسفاً ، ومع ذلك لا تجدنا نشعر بأية ضرورة لقواعد النحويين ولا نشعر بأننا ارتكبنا جريمة من أي نوع ! 
اقول ان القواعد النحوية تجد اهميتها فقط في النصوص الكتابية فهي نافعة هنا لبيان المعنى ولاسيما في المواضع التي لا يؤمن من وقوع اللبس فيها، بل اكاد احددها بهذه المواضع حصرا. فالكتابة كما هو معروف غير محكومة للسياق كما هو حال الكلام المنطوق شفاها الامر الذي يجعل من القواعد النحوية مهمة في تحديد المراد والمعنى ولكن لا ينبغي ان نبالغ كثيرا في هذا الامر ، ولابد ان نقتصر على المقدار المعقول والكافي.
والحقيقة ان جهودا كثيرا بذلت ، وكتبا قد ألفت قصدها التبسيط وكتبا نحت الى بناء نظريات نحوية جديدة  منذ زمن ابن مضاء القرطبي في كتاب “الرد على النحاة” الذي كان ثورة عارمة على النحو العربي بصورته المبثوثة في كتاب سيبويه ، ومن هذا القبيل مشروع الدكتور شوقي ضيف الذي يمكن اعتباره استكمالا لمشروع ابن مضاء المشار إليه، وغيره من الجهود، وهي جهود بدأت في العصر الحديث مع رفاعة الطهطاوي في كتابه “التحفة المكتبية لتقريب اللغة العربية” ثم توالت بعد ذلك، فكانت جهود حفني ناصف وزملائه في كتاب “قواعد اللغة العربية”، ثم جهود علي الجارم ومصطفى أمين في كتاب “النحو الواضح”، ثم كانت محاولة إبراهيم مصطفى في كتاب “إحياء النحو”، وهي محاولة جريئة نحو “تجديد النحو وتيسيره”؛ حيث تميزت بالدعوة إلى إلغاء نظرية العامل، ونظرية العامل تعد الأساس الذي أقام عليه النحاة بنيانهم النحوي أصوله وسننه، وهي أيضا الأساس الأول الذي استهدفه ابن مضاء، فقد هاجمها هجوما هدف منه إلى إلغائها وهدمها؛ إيمانا منه بأنها لا تفيد النحوي شيئا، يقول: “وقصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأنبّه على ما أجمعوا على الخطأ فيه، فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا (ضرب زيد عمرا) أن الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمرو إنما أحدثه (ضرب).. وهذا بيّن الفساد.
ورد ابن مضاء على من زعم أن نظرية العامل غرضها تيسير النحو وتسهيل تعلّمه بأنها لا تيسر ولا تسهل شيئا سوى حط كلام العرب عن رتبة البلاغة وادعاء النقصان فيما هو كامل.
وتأييدا من د/ضيف لرؤية ابن مضاء يعلق على ما سبق قائلا: “أليست فكرة العامل تجعلنا نفكر في محذوفات ومضمرات لم يقصد إليها العرب حين نطقوا بكلامهم موجزا، ولو أنهم فكروا فيها لنطقوا بها، ولخرج كلامهم من باب الإيجاز إلى باب الإطناب، وانفكت عنه مسحة الاقتصاد البليغ في التعبير”
اخيرا اقول : ان من يُشكل على السيد احمد الحسن ع في مسالة النحو ظناً منه انه ع لايعرف النحو وهو ظن غير صحيح على الاطلاق بل ان السيد من اعرف الناس به واقول هذا عن تجربة شخصية والله على ما اقول شهيد ، علما انني من حملة الشهادات العليا في اللغة العربية وآدابها واقول هذا فقط لكي يعلم الناس اني لا اتكلم الا بعلم ، اقول ان من يُشكل على السيد احمد الحسن ع  ينطلق من فكرة ان المعصوم يعرف كل شيء وعليه لابد ان يعرف علم النحو ولكن على المعاند ان يدرك ان عليه ان لا يُخضع المعصوم لما يعرف هو أي هذا الانسان المعاند ، فهو حينما يريد من المعصوم ان ينطق على وفق القواعد المعروفة هو في الحقيقة يُخضعه لما يعرف هو أي انه يريده ان يكون كما يريد وكما يفهم.. يريده ان يكون خاضعا للمنهج النحوي الذي يراه بجهله صحيحا وكاملا ولو كان صادقاً في قوله ان المعصوم هو من يعرف لا نحن لكان سلم له ونظر لكل ما يخرج منه على انه هو الصحيح لا ما بايدينا وهو علم مزعوم لم يتحرر به النزاع. 
المسالة اذن فيما يتعلق بالسيد احمد الحسن ع هم يقولون انه غير معصوم وليس حجة ،  لانهم يؤمنون به ع ، فاذا قلنا لهم فيما يتعلق بمسالة النحو وهي محل النزاع بيننا وبينهم اذا قلنا لهم : انه ثبت بالدليل المستقل انه معصوم وعليه ينبغي على اساس قاعدة (ان المعصوم منه يؤخذ ولا يفرض عليه) ينبغي ان لا تعترضونه بقضية انه يخالف نحوكم لانكم بهذا تخالفون القاعدة التي تقولون بها . يجيبون انه لم يثبت عندنا انه معصوم ولايمكننا والحال هذه ان نسلم له وناخذ منه ، بل اننا نريد من خلال مسالة النحو التي نطرحها ان نثبت انه ليس معصوما . ولكن هذه المعادلة كما هو واضح فيها مغالطة كبيرة : لانه ان كان معصوما ويعرف كل شيء أي منه ناخذ على حسب القاعدة فلا يحق لكم تحديد فهم معين واجباره على ان يتفق معه ! انتم بعبارة اخرى تنصبون انفسكم هنا على انكم معصومون او ان فهمكم هو معصوم وتحاكمون على اساس منه ، وهذا غير ثابت ، عليكم اولا ان تثبتوا هذه المسالة لكي تكون قاعدة صالحة للمحاكمة وهذا غير ثابت .
انتم بعبارة اخرى تتمسكون بمتشابه وتريدون من خلاله تحقيق مآرب مسبقة ونتيجة مسبقة انتم قررتموها سلفا وهذا بخلاف المنهج العلمي الموضوعي للبحث والنقاش ، فالمقدمة التي تبنون عليها غير ناهضة موضوعيا ، بل انتم اخترتم دلالة لها بصورة مسبقة وتريدون فرضها على المعصوم وهذا تحكم واضح بالمسالة وبحثها وبهذا لا تخالفون المنهج الموضوعي فقط بل يشملكم ايضا قوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ).
قلنا لكم فيما تقدم ان اللغة العربية قواعد استقرائية تحتمل الخطأ في بعض الاحيان فلايمكن اعتبارها قانونا يحاكم القرآن وكلام الانبياء والاوصياء وإلا فانتم تقرون للنصارى نقضهم على القرآن بواسطة قواعد اللغة العربية الوضعية كما اننا بينا ان هناك اكثر من مدرسة نحوية ولكل مدرسة قواعدها التي تختلف عن الاخرى فايها الحقيقة وايها الوهم والباطل، والكلام طويل في قواعد اللغة العربية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إكتشاف سلالة من البكتريا تجعل البعوض مقاوما للملاريا

إكتشف باحثون سلالة من البكتريا بامكانها إصابة البعوض وجعله مقاوما لطفيلي الملاريا. وأثبتت دراسة نشرها ...