قانون معرفة الحجة ( الحلقة الخامسة )

الامام المهدي ع
قطف الثمار

بعد أن ثبت عن طريق القرآن الكريم والسنة والعقل من أن خليفة رسول الله (ص) لابد أن يتحلى بثلاث صفات يعرف عن طريقها، وهي:
أولاً: النص عليه بالخلافة من الرسول محمد (ص) أي يكون صاحب الوصية.
ثانياً: لابد أن يكون الرسول (ص) قد نص على أنه أعلم أمته من بعده.
ثالثاً: أن يكون الرسول (ص) قد نص على وجوب طاعته على الأمة، وأن طاعته كطاعة الرسول (ص) ومعصيته كمعصية الرسول (ص).
وثبت أيضاً مما سبق أن الذي يخالف هذه الأمور الثلاثة يكون قد جانب الحكمة الى السفه، وحاشا الرسول محمد (ص) من ذلك.
إذن فعلينا


أن نتجرد من التعصب والاتباع والتقليد الأعمى، وأن نبحث عن الحقيقة بصدق واخلاص نية، ونتبع الشخص الذي تتوفر فيه هذه الصفات الثلاثة كائناً من كان، فالحق أحق أن يتبع، لكي لا نكون من مصاديق قوله تعالى: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) الكهف 103/104.
ومن المعلوم أن أصل الخلاف بين السنة والشيعة في خلافة رسول الله (ص) يدور حول ثلاثة أشخاص ابتداءً هم: علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب، فالشيعة يقولون بخلافة الإمام علي بن أبي طالب، والسنة يقولون بخلافة أبي بكر وعمر قبل الأمام علي (ع)، ولكي نقف على الحقيقة الناصعة، يجب أن نناقش هذه الشخصيات الثلاثة بأسلوب علمي رصين وبكل أدب وأخلاق المحاورة التي أمرنا بها الرسول محمد (ص)، فمن تنطبق عليه الصفات الثلاثة ( التنصيب والأعلمية ووجوب الطاعة ) يكون هو خليفة رسول الله محمد (ص) صدقاً وعدلاً، ومن لم تنطبق عليه تلك الصفات والقانون الإلهي في معرفة الحجة، فليس بخليفة للرسول محمد (ص)، قال تعالى: ( قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )، فنحن أتباع الدليل أين ما مال نميل، والحق أحق أن يتبع، قال تعالى: ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) يوسف 108.
ولنبدأ بتطبيق القانون الإلهي في معرفة الحجة والخليفة أولاً على أبي بكر وعمر بن الخطاب:

أولاً: التنصيب:
لا يوجد نص معتبر لا في القرآن الكريم ولا في السنة، ينص على تنصيب الرسول (ص) لأبي بكر أو عمر، بل إن عقيدة أبناء العامة في خلافة الشيخين هي الشورى واختيار الناس لا غير، فعندهم أن الرسول (ص) مات ولم ينصب خليفة من بعده وترك الأمة بلا راعٍ، وأن الحجة في خلافة أبي بكر هي مبايعة أغلب المهاجرين والأنصار له، والحجة في خلافة عمر بن الخطاب هي تنصيبه من قبل أبي بكر، والدليل القاطع في عدم تنصيب الرسول (ص) لأبي بكر هو اعتراف أبي بكر وعمر بن الخطاب أنفسهما أمام المهاجرين والأنصار.
ولنأتي إلى الحجج التي احتج بها أبو بكر وعمر ، في استحقاق أبي بكر للخلافة، سنرى أنها ليس فيها دليل عن رسول الله (ص)، وسنرى أيضاً ، أن تلك الحجج لا تفيد أحقية أبي بكر في الخلافة أصلاً:
الاحتجاج الأول:
هو ما ادعاه القوم من أن رسول الله (ص) قد أمر أبا بكر أن يؤم المسلمين قبل وفاته (ص)، وهذا ما جاء على لسان عمر بن الخطاب في احتجاجه على الأنصار:
عن عاصم عن زرعن عبد الله قال: ( لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر رضي الله عنه فقال يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر رضي الله عنه فقالت الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ) مسند احمد ج 1 ص 21.
فلو كان رسول الله (ص) قد نص على خلافة أبي بكر لاحتج بذلك عمر ولكان ذلك الحجة القاطعة التي ما بعدها حجة، وكذلك لما اختلف المهاجرون والأنصار على الخلافة حتى وصل الأمر إلى سل السيوف، وكادت أن تراق الدماء!!
وهذا خير دليل على عدم وجود أي نص من رسول الله (ص) في تنصيب أبي بكر للخلافة، ولو كان لذلك النص أدنى رائحة لما تركه عمر واحتج بإمامة أبي بكر للمسلمين في الصلاة قبل وفاة رسول الله (ص)، فمن الأقوى النص الصريح في الخلافة أم مجرد التقديم لإمامة الجماعة في الصلاة، والتي سيأتي الكلام حول عدم صحة هذه الحجة إن وجدت، فانتظر.
الاحتجاج الثاني:
الخوف من حصول الفتنة بين المهاجرين والأنصار في تنازعهم على الخلافة، فمن أجل فض النزاع تمت البيعة لأبي بكر، وهذا ما جاء على لسان عمر بن الخطاب في فتنة السقيفة بين المهاجرين والأنصار:
عن عمر في قصة الخلاف والشجار الذي حدث بين المهاجرين والأنصار في النزاع على الخلافة: ( … فكثر اللغط وارتفعت الاصوات حتى فرقت من الاختلاف فقلت ابسط يدك يا ابا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الانصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة فقلت قتل الله سعد بن عبادة … ) صحيح البخاري ج 8 ص 27- 28.
ثم يواصل عمر كلامه في نفس القصة ليأتي بحجة أخرى تبرر اختيار أبي بكر للخلافة، قائلاً: ( قال عمر وانا والله ما وجدنا فيما حضرنا من امر اقوى من مبايعة أبي بكر خشينا ان فارقنا القوم ولم تكن بيعة ان يبايعوا رجلا منهم بعدنا فاما بايعناهم على ما لا نرضى واما نخالفهم فيكون فساد فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة ان يقتلا )    صحيح البخاري ج 8 ص 28.
وكلام عمر بن الخطاب واضح وجلي بأن اختيار أبي بكر للخلافة غير مستند الى نص من رسول الله (ص)، بل التنصيب مستند إلى اجتهاد عمر ورأيه، بدليل قوله: ( وانا والله ما وجدنا فيما حضرنا من امر اقوى من مبايعة أبي بكر ) أي إن هذا الخيار هو ما حضرهم أثناء الحادثة لفض الخلاف والنزاع الذي كاد يصل الى القتل!!!
ثم نجد عمر بن الخطاب متذبذباً في تبرير تنصيب أبي بكر للخلافة، فتارة يقول إنه فعل ذلك لتجنب الخلاف والنزاع الذي حصل في نفس الحادثة، فيقول: ( فكثر اللغط وارتفعت الاصوات حتى فرقت من الاختلاف فقلت ابسط يدك يا ابا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الانصار )، وتارة يقول بأنه فعل ذلك لكي لا يذهب الأنصار بمعزل عن المهاجرين وينصبوا رجلاً من الأنصار للخلافة، وهذا ما لا يرضى به عمر بن الخطاب، حيث قال: ( وانا والله ما وجدنا فيما حضرنا من امر اقوى من مبايعة أبي بكر خشينا ان فارقنا القوم ولم تكن بيعة ان يبايعوا رجلا منهم بعدنا فاما بايعناهم على ما لا نرضى واما نخالفهم فيكون فساد )، والظاهر ان هذا هو هدف عمر الرئيسي، وكأن خلافة رسول الله (ص) هرج ومرج من غلب عليها نالها، ولله في خلقه شؤون !!!
ومن كلام عمر يتضح أن تنصيب أبي بكر لم يستند حتى الى الشورى واجماع الحاضرين من المسلمين، فضلاً عن الغائبين والمعارضين، ففي قمة الخلاف والاعتراض على تنصيب أبي بكر يباغت عمر الناس ويبايع أبا بكر للالتفاف على هذا الاعتراض وتذويبه، وفي معنى ذلك فليتأمل المتأملون.
والقول في أن تنصيب أبي بكر لم يستند الى اختيار المسلمين، ليس رأيي الخاص، بل هذا ما صرح به عمر نفسه، حيث قال بعد أن وصف الفوضى الحاصله أثناء تنصيب أبي بكر: ( فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة ان يقتلا )، أي ان من يفعل مثل ما حصل في تنصيب أبي بكر، لا يجوز اتباعه، بل يجوز قتل المبايِع والمبايَع، وكلامه واضح جداً في أن الطريقة التي نصب بها أبا بكر للخلافة خاطئة.
ولذلك نجد عمر بن الخطاب يصف مبايعة أبي بكر بأنها فلتة وقى الله شرها المسلمين، إذ قال: ( ثم انه بلغني ان قائلا منكم يقول والله لو مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترن امرؤ ان يقول انما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت الا وانها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها وليس منكم من تقطع الاعناق إليه مثل أبي بكر من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة ان يقتلا ) صحيح البخاري ج 8 ص 26.
وكلام عمر صريح في أن بيعة أبي بكر لم تستند الى مشورة المسلمين، وأنها فلتة كان يتوقع منها الشر على المسلمين ولكن الله وقاهم من ذلك الشر المرتقب!!!
فبربكم يا مسلمين يا مؤمنين يا عقلاء هل تتقبلون أن تتأسس خلافة الرسول الأعظم (ص) على فلتة ؟!! ومن المعلوم أن أبا بكر هو الذي نص على خلافة عمر، فتكون خلافة عمر مبنية على فلتة، وعمر هو الذي رشح عثمان بن عفان ضمن ستة للخلافة، فتكون خلافة عثمان مبنية على فلتة أيضاً، ولم تنته الفلتات الى أن استلم علي بن أبي طالب الخلافة، لأنه لم ينص عليه أحد من أصحاب الفلتة بالخلافة، بربكم ترضون لدين محمد (ص) أن يكون بهذه الفوضى والاضطراب ؟!!!

الاحتجاج الثالث:
الخوف على الأمة من الارتداد لأنها ما زالت في بداية اسلامها، فلو لم يكن بعد رسول الله (ص) خليفة لحصل الارتداد والاختلاف، وهذا الكلام جاء على لسان أبي بكر نفسه، في اعتذاره لرافع بن أبي رافع عندا عاتبه على القبول بالخلافة وتولي أمور المسلمين:
عن طارق بن شهاب عن رافع بن أبي رافع قال: ( لما استخلف الناس أبا بكر، قلت: صاحبي الذي أمرني أن لا أتأمر على رجلين، فارتحلت فانتهيت إلى المدينة فتعرضت لأبي بكر، فقلت له يا أبا بكر أتعرفني ؟ قال: نعم ؟ قلت: أتذكر شيئاً قلته لي أن لا أتأمر على رجلين، وقد وليت أمر الأمة ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض والناس حديث عهد بكفر فخفت عليهم أن يرتدوا وأن يختلفوا فدخلت فيها وأنا كاره … ) كنز العمال ج 5 ح 14043ص 586.
فلو كان أبا بكر قد نص عليه الرسول (ص) بالخلافة، لما احتاج الى هذا العذر الضعيف، ولقال لرافع: بأن الرسول هو الذي نص عليَّ ونصبني للخلافة، فلا يجوز لي مخالفة رسول الله (ص)، وعندها لا يمكن لرافع أن يفتح فمه مع أبي بكر أصلاً.
وليت شعري هل أن أبا بكر أرأف بالأمة من رسول الله (ص)، حيث يخاف على الأمة من الارتداد أن بقيت من غير خليفة، ورسول الله (ص) يموت ويترك الأمة بلا راع رهينة الاختلاف والضياع؟!!! أم إن هذه الحكمة اكتشفها أبو بكر وغابت عن رسول الله (ص) ؟!!!

( يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع )

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إكتشاف سلالة من البكتريا تجعل البعوض مقاوما للملاريا

إكتشف باحثون سلالة من البكتريا بامكانها إصابة البعوض وجعله مقاوما لطفيلي الملاريا. وأثبتت دراسة نشرها ...