هل يتطلع مثقفو الأمة للعلمانية ؟

سنتفق قبل كل شئ على هدف مشترك يتمثل بمحاربة مؤسسة المرجعية والسياسيين الفاسدين من كل الطوائف والأصناف ، ولكننا ينبغي أن نكون واضحين بأن اشتراكنا في الهدف وحده لا يكفي ، ولا يجب أن يكون كل غايتنا ، وإلا سنجد أنفسنا نعيد لعبة المتاهة التي دخل فيها غيرنا ، حيث لا تقربك المسافات التي تقطعها من الهدف بقدر ما تعود بك الأدراج لخط البداية نفسه .

كثيرة هي التجارب التي بين أيدينا حيث يتفق الفرقاء المختلفون على هدف مرحلي ، وما أن يتحقق لهم حتى يعودوا الى خلافاتهم القديمة نفسها والتي قد تكون أشد وأنكى من خلافات كل طرف منهم مع الذي اتفقوا على محاربته .
إن ما ينبغي على الجميع أن يدركه – بحسب تصوري – هو أن حجم التحدي الذي تواجهه الأمة يقتضي إعادة طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بهويتنا ودورنا الحضاري ، بعيداً عما ألفناه من أجوبة جاهزة أغلبها إن لم أقل جميعها جاءتنا جاهزة ، وتمثل تعبيراً عن واقع فكري وحضاري مختلف برغم كل مقولات العالمية التي يراد لها أن تكون بديهية لا تقبل جدلاً .
إن من المؤسف حقاً أن تعيش الأمة كل هذا الإغتراب عن ذاتها وهويتها الحقيقية دون أن تعي أن ما يدفعها لمثل هذا الإغتراب لم يكن أبداً خلل في هويتها ، وإنما هو خطأ تأريخي سببه عدم مراجعة الذات بالصدق والشجاعة الكافيتين .
فالحركات والمؤسسات التي تزعم أنها تمثل المرجعية الفكرية المعبرة عن هوية الأمة وتعتمد في احتكار فكرة المرجعية على تراث كاريزمي ليست بالضرورة هي المرجعية الحقيقية ولا ينبغي أن ننظر لها على أنها كذلك ، ولا ينبغي أن نحاكم هويتنا على أساس تصور هذه المرجعية المزعومة ، كما أنه من غير المنطقي – بل من المؤسف حقاً – أن يتخذ البعض من أخطاء وتشويهات المرجعية المزيفة ذريعة لرفع لواء الإغتراب والطعن في نفس الهوية .
الحق إن مرحلتنا تتطلب تهشيم كل الأوثان التي تحول بيننا وبين الوصول الى المنبع والإغتراف منه مباشرة ، وتستدعي من جهة أخرى درجة عالية من الوعي بحقيقة دوافعنا الموجِهة ، فالتهديم ينبغي أن يكون بمعول هدفه البناء . 
يلفت انتباهي في كتابات الكثير من مثقفينا دعوتهم الصريحة الى العلمانية ، وغالباً ما تُشفع هذه الدعوة بهجاء عريض يوجه الى المؤسسة الدينية ، وإذا كانت مثل هذه الدعوة متوقعة تماماً في ظل الأوضاع التي يشهدها العراق ، حيث الروائح الكريهة التي تملأ الأجواء تشير دائماً الى ثلة المعممين السراق والأحزاب التي تدور في فلكهم  ، فإن الدلالة الصادمة ، لمن يبحث عن مثل هذا الدلالة ، تكمن في التطرف في الخيارات .
فالشعب الذي انكوى بنار من يزعمون زوراً أنهم إسلاميون هل يعتقد أن النجاة في الضد النوعي ، ومن أين له مثل هذا الإعتقاد ، وعلى أي أساس صار إليه ؟ 
أسئلة تتطلب الإجابة عليها عادة تجربة على مستوى الفكر والعمل أو التجريب ، لكنها – وهذا مما يؤسف له – لايبدو أنها تحتاج في المجال العراقي سوى تجربة فشل ذريع يقع فيها إسلاميو أو متأسلمو العراق الأمريكي ، أي أصحاب التصور المشوه للهوية .
لا أريد إلقاء اللائمة على الناس والمثقفين ، وإن كنت لا أريد أيضاً تبرئة ساحتهم بالكامل ، ولكن توزيع اللائمة على الأطراف المستحقة في هذه المرحلة تبدو لي خطيئة فكرية وأخلاقية طالما كانت حراجة الوقت وخطورة الداء تتطلب نوعاً من العلاج يستهدف أس الداء وسببه المباشر .
نعم لابد في ظل مثل هذه النتيجة الكارثية – بقدر تعلقها بموقف الناس عموماً والمثقفين خصوصاً أو رؤيتهم لنفس الإسلام لا لمنتحليه المزيفين – أقول لابد من تشريح الواقعة الفكرية التي تمثلها الدعوة المذكورة وتحليلها لتوضيح أن نفور الناس من كل ما هو إسلامي لا يعني في الحقيقة أنهم قد توصلوا الى قناعة بجدوى الفكرة العلمانية المضادة .
ولنكن أكثر وضوحاً ؛ إن الناس في الحقيقة لم يعرفوا الإسلام كما هو لينفروا منه فما عرفوه ليس سوى صورة فكرية شوهاء اختلقها فقهاء السوء وأتباعهم وسموها إسلاماً خداعاً للناس واستخفافاً بعقولهم  ، واستغلالاً لفكرتهم الطيبة عن الإسلام . فالإسلام كما سبق أن أشرنا في مناسبات سابقة لا يحضر حضوراً حقيقياً إلا من خلال المترجم الذي نصت عليه السماء .
من هنا يمكننا القول أن نفور الناس من صورة الفقهاء المشوهة هو في الحقيقة هو أمر إيجابي جداً ، وخطوة متقدمة باتجاه الإسلام الحقيقي !! 
وإذا كان كلامي هذا يبدو بالنسبة للكثيرين تمحلاً مضحكاً ، ومحاولة خرقاء لقلب الحقائق رأساً على عقب فراراً من الإعتراف بالهزيمة ، ولكني رغم هذا أؤكد على أن تأملاً منصفاً يجلو هذه الحقيقة بصفاء لا تخطئه العين الموضوعية .
فالناس في الحقيقة لا يعرفون العلمانية ولا يعون النقص الكبير الذي تنطوي عليه ، ولكنهم مع هذا يتصورنها بوصفها النقيض لكل المآسي التي تجرعوها على يدي المؤسسة المزيفة وتصورها المشوه . وهذا يعني بكلمة أخرى أنهم لا يتصورون العلمانية من خلال ما تمثله هي ، بل من خلال ما لا تمثله !؟ 
وبوضوح أكثر هم يتصورون العلمانية وببساطة شديدة على أنها كل ما ليس هو التصور الإسلامي المزعوم أو المشوه ، فهم إذن يتصورونها بوصفها الكمال قياساً بالنقص الذي يمثله التصور المؤسسي المشوه . 
نعم تحضر العلمانية في وعي المثقفين وغيرهم ممن انكووا بنار التصور المشوه للإسلام بوصفها الكمال الذي يتطلعون إليه ، أي إن فكرتهم عنها مصدرها الشعور والتطلع لا الوعي الحقيقي ، وحيث أن الكمال الحقيقي هو الإسلام الحقيقي أي الإسلام كما يترجمه من نصبته السماء وحددت ترجمة الإسلام به وحده ، فإن تطلعهم للعلمانية الذي هو تطلع للكمال هو في واقعه تطلع للإسلام الحقيقي ، ولكن حيث أنهم يجهلون صورة الإسلام الحقيقي فقد حضر في وعيهم بصورة العلمانية ، وحضوره بهذه الصورة منشؤه الواقع الثقافي ، والواقع الثقافي ليس سوى تعبيرات رمزية عن حقائق الروح ، قد تقترب وقد تنحرف في تعبيريتها عن حقيقتها الروحية ، ولكنها لا تكف في النهاية عن الإشارة إليها .
إن ما ينبغي على الناس عموماً والمثقفين على وجه الخصوص أن يدركوه إذن هو أنهم يبحثون عن المخرج من المأزق الذي وضعهم فيه فقهاء السوء ، ولكنهم بمصيرهم الى العلمانية التي لا تتفق أبداً مع هويتهم الحقيقية يحرفون عملية البحث – كسلاً منهم أو ضعفاً في شعورهم بالمسؤولية – ليجعلوا منها حركة هروب لا أكثر .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هاغل: الرد السريع إذا تأكد أن دمشق استخدمت الكيماوي

(CNN)– إذا تأكدت المزاعم بشأن استخدام قوات الرئيس السوري بشار الأسد سلاحا كيماويا ضدّ شعبه، ...