المنعطف الأخير

حميد حسن المحمداوي

الأقدار تسير بالعراق هذه الأيام إلى لحظات المخاض الأخيرة والتي ستشكل منعطفا تأريخيا يغير وجه العالم بل وجه التاريخ فالأحداث أخذت تتسارع بشكل رهيب معلنة اقتراب لحظة الصفر ويمكن ان نستشعر ذلك من جملة من المؤشرات الداخلية والخارجية المترابطة معا وفي مقدمة تلك المؤشرات اقتراب نهاية الفترة الرئاسية لبوش التي تحتم توجيه الضربة العسكرية لإيران وما إعطاء مهلة لإيران للرد على المقترحات الأخيرة إلا مقدمة لمرحلة أخرى من تهيئة والتعبئة المتسارعة لتشريع الضربة العسكرية ولضرورة المباغتة فان اتخاذ القرار الأخير سيكون مبررا بسيناريو معد سلفا كما تم استخدام سيناريو رسائل الجمرة الخبيثة الوهمي مع صدام قبيل قرار الضربة بقليل …
أما ما يخص الوضع الداخلي فمؤشراته أكثر من ان تحصى وفي مقدمتها أوامر الأمريكان للحكومة العراقية بالاستعجال في القضاء على أي جناح عسكري متعاون مع إيران ومناهض للاحتلال وخصوصا التيار الصدري والإسراع في إبرام الاتفاقية الأمنية التي من شانها استخدام الأراضي العراقية ورفض المرجعية في النجف لتلك الاتفاقية يعكس حقيقة المأزق الحكومي حيال المحتل الذي يرغب بحكومة عميلة ومنبطحة لمخططاته تماما مما وضع الحكومة في موقف حرج بين مرجعية رافضة وبين التهديدات الأمريكية بقلب شروط اللعبة رأسا على عقب .. وورقة كركوك والتفجيرات الأخيرة في بغداد وإعادة تأهيل السنة وتكوين عصابات الصحوة العميلة والتي كان آخرها في مناطق مركز بابل والمحاويل والمسيب وبإشراف أمريكي وقتل واعتقال بعض المقربين من المالكي والحكيم وغيرها الكثير الكثير وكلها تلويح بعصا التغيير بينما من جهة أخرى كان مأزق تصريح السيستاني برفض التوقيع حتى الموت فيه إشارة واضحة للحكومة لحفظ ماء وجه الحوزة ( إذا  بقي شيء منه ) وعدم فضح عمالتها وسكوتها عن جهاد الاحتلال إلى درجة القبول العلني بتوقيع الاتفاقية المهينة .. والذي كشف موقف الحوزة الخجول من الرفض هو تصريح بشير الباكستاني المعروف لاحقا بضرورة بقاء القوات الأمريكية وأخيرا تركت الحوزة القرار للحكومة بصورة رسمية وكاملة بفتوى الفياض الأفغاني التي طالب فيها بفصل السياسة عن الدين معلنا تخلي الحوزة عن مسؤولياتها الساسية تماما وترك الأمر بيد الحكومة والأمريكان .. فالحكومة تدرك الإصرار الأمريكي بالبقاء وتدرك النية الأمريكية بالضربة القادمة وتدرك حاجة أمريكا الكبيرة للبترول وستكون الحكومة مضطرة للإعلان عن رفضها لعقد اتفاقية أمنية بحكم إفلاسها التام جماهيريا وهذه تعد الورقة الأخيرة لرهان حكومة العمائم على الوطنية والتحرر لذلك ذهب بوق الأمريكان الربيعي للنجف بعد لقائه السيستاني ليعلن من هناك موقف الحوزة والحكومة قائلا : (( اليوم لا نتحدث عن جدولة الوجود الأجنبي في العراق بل نتحدث عن جلاء القوات الأجنبية من البلاد …. هذا رأي الحكومة والمرجعية معاً )) كما انه أضاف (( احتمال ان تكون هناك معسكرات خاضعة للسيادة العراقي )) .
وهذا ما تناغم مع الرؤيا الأمريكية قسريا حيث حذر المرشح الجمهوري جون ماكين من سحب الجنود الأميركيين لان ذلك (الانسحاب) كما قال (( يتوقف على الظروف الميدانية… و الانسحاب يجب ان تمليه الأحداث على الأرض )) ..
وبجمع الرؤيتين نجد القرار الأمريكي قد تقيد بأمر جديد وهو ضرورة خلق هشاشة دائمة للوضع في المنطقة لأنها ستكون السبب الوحيد الذي يبرر بقاء سيطرتهم كاملة على منابع النفط في المنطقة برمتها وتثبيت بقائهم إلى ما لانهاية وهو ما اصطلح عليه ( الفوضى الخلاقة ) فالحكومة تدرك هذه الحقيقة ولا تستطيع تجنبها لأنها أصبحت حكومة أسيرة ووليدة الاحتلال بالكامل والمرجعية قابعة في دهاليز النجف تترقب الكارثة التي ستتركها مرحلة جديدة من الدمار والقتل والصراعات الطائفية التي بانت أول بوادرها من كركوك التي اقل ما يمكن ان توصف بأنها ؛ قنبلة موقوتة تنتظر الإشارة الأمريكية المناسبة لقدح فتيلها بيد ( ديمستورا ) أو بيد الأكراد أو ربما بيد الأتراك وقد شهد الجميع انتفاضة الطالباني وعنصريته الفاضحة أمام مسالة كركوك والتي تكشف  سعة ألهوة وهشاشة الوضع في هذه الحكومة العميلة المبنية على المصالح الفردية والفئوية ..
ناهيك عن زرع بذرة التفرقة والعداء وبدعم أمريكي مباشر وعلني لعشائر الرمادي من جهة  والحزب الإسلامي من جهة أخرى  وانفراد عصابات الحكيم في جنوب العراق وإجرامها بحق أتباع التيارات الأخرى في مخطط دفعتهم أليه أمريكا والمرجعية ومن خلال وعود وردية في إنشاء اقليم الجنوب وهو ما يعد اخطر مخطط إجرامي للتفرقة وعلى حساب دماء العراقيين والاعتقالات والسجون التي بلغت في الجنوب أضعاف ما كانت عليه في زمن صدام .. 
ولو أخذنا بنظر الاعتبار حقيقة  واقع الاقتصادي الأمريكي المهدد بالانهيار لأسباب كثيرة منها  ارتفاع أسعار البترول والمواد الأولية ووقود السيارات والمواد الغذائية ، وانهيار سوق العقارات، وانخفاض قيمة الدولار، وقلق الأسواق المالية، وتسريح العمال الذي شمل شركات النقل الجوي والبنوك والصحف، والحرب في العراق وأفغانستان، ، كلها عوامل تضافرت لتنتج غيوم “عاصفة هوجاء حقيقية” تتطلب اتخاذ قرار سريع لا يحتمل التأجيل للفترة الرئاسية القادمة وخصوصا أنه سيتوافق مع انتهاء التفويض ورفض عقد الاتفاقية من قبل العراقيين .
لذلك فالأيام القادمة ستكون أمريكية بامتياز سيكون بطلها الثور الأمريكي وسيكون الهدف المعلن هو العمود الخيمة الشيعية الإيراني كما وصف بوش وسيكون الضحية الشعب العراقي المغلوب على أمرة فأمام الشعب العراقي أيام عصيبة وتاريخية والحرب على الأبواب وبمباركة الحكومة العراقية والمرجعية كما لمح بذلك المالكي في المالنيا أخيرا وسيسجل التاريخ تلك المأساة الكبيرة والجريمة العظيمة في سجل اكبر قوة صنعها الطغيان في التاريخ وعلى مسؤولية حكومة عميلة باعت شعبها وعلى حوزة خرقاء معزولة عن الناس في جحورها لا هم لها سوى مليء الكروش وقضاء الشهوات …

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“داعش” يشن هجوما كيماويا على الجيش العراقي

أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن تنظيم داعش الإرهابي استخدم غازا ساما في المواجهات التي جرت ...