معالم الحكم في الإسلام – الحلقة الاولى

معالم الحكم في الإسلام

معالم الحكم في الإسلام

لقد بذل النبي ص كل ما بوسعه لإرشاد الأمة وسوقها إلى ما فيه صلاحها في الدارين، وبعد أن التحق بالرفيق الأعلى ظهرت الضغائن التي كانت في صدور قوم لآل بيت النبي وخليفته الشرعي علي بن أبي طالب (ع)، وتقمصوا الخلافة بقصة معروفة مشهورة في التاريخ لا يستطيع المغرضون إخفائها رغم المحاولات التي بذلت ولازالت تبذل من أجل تحريف الواقعة.

فالنبي الكريم (ص) كان هو الخليفة والقائد الإلهي والإمام المتبع، بيد أن المسلمون بعد وفاته ارتدوا  وانقلبوا على أعقابهم وتركوا تعاليم النبي الواضحة ونصوصه الصريحة على الخليفة من بعده.

وفي هذه الدراسة نريد أن نسلط الضوء على معالم الحكم في الإسلام بعرضنا قولي السنة والشيعة ومناقشتهما كي يتبيّن للقارئ المنصف الحق الصراح من الباطل المزيف وأن لبس بلباس الحق.

فالنبي (ص) لم يغفل عن مستقبل الأمة، بل كان ينظر لها عبر نافذة الغيب التي يطلعه اللّـه عليه، ونصب لهم ميزاناً يرجعون إليه ألا وهو الإمام الذي نص عليه في مواطن كثيرة.

إلاّ أنّ الأمة اختلفت بعد نبيها الكريم ولا زالت في اختلافات وانقسامات متتابعة إلى أن تنحصر النجاة بفرقة واحدة كما قال (ص)، في حديثه عن افتراق الأمة من بعده، ونرى اليوم خلافاً كبيراً في بيان الطريقة التي من خلالها يكون تنصيب الحاكم والخليفة والإمام.

فالشيعة يقولون بالنص والتعيين من قبل النبي (ص)، والسنة يقولون بأنّ النبي ترك الأمر إلى المسلمين، فهم يعينون من يريدوه حاكماً وخليفة وإماماً، وهذا ما يسمى بالشورى عندهم.

1-   الشورى.

2-   عهد الخليفة لمن بعده.

3-   القهر والغلبة.

وهذه الطرق لا أصل لها في التشريع الإسلامي بل هي جاءت طارئة عليه، ومن هنا يقال: أن أبا بكر تعين كخليفة بالشورى، وهو الطريق الأول، وعمر تعين بالطريق الثاني وهو نص الخليفة عليه، و معاوية أصبح خليفة من خلال الطريق الثالث.

 وهذه لهذه الطرق الثلاثة أثراً في نصوص الشريعة لا من القرآن ولا من السنة،فلم يأت بهذه الطرق الثلاثة وحياً إلهياً ولا نصاً نبوياً، مع العلم بأن النبي ( صلى اللّـه عليه وآله وسلم ) قبل أن يلتحق بالرفيق الأعلى بين كل شيء للمسلمين وكان المسلمون يقرؤون ( اليوم أكملت لكم دينكم ) فالدين كامل قبل اختراع هذه الطرق.

فمن أين جاءت هذه الطرق ؟

 في الحقيقة أنّ هذه الطرق الثلاثة جاءت لتبرير ما هو موجود في الساحة التاريخية التي مر بها المسلمون بعد رحيل النبي (ص)، ولا تمت إلى الإسلام بصلة، بل أوجدوها واخترعوها أهل الأهواء وعلماء الضلالة الذين يستجيبون لنداء السلاطين بائعين دينهم لهم وصاروا أبواقاً لهم ينطقون بما تفرضه السلطة عليهم في كل زمان، فهم وعاظ السلاطين الذين حرفوا الدين وتلاعبوا بقيم الإسلام، مما جعل المستشرقين وغيرهم يوجهون اتهامهم للنبي بمجانبة الحكمة – وحاشاه ص- وراحوا ينتقدون القائد الأول لهذا الدين وهو خاتم الأنبياء محمد (ص).

 يقول المستشرق ويلز : ( ترك محمد أمته من غير نظام لتكوين حكومة ثابتة يظهر فيها أثر الرأي العام، وكذلك لم يعين لها أسلوباً عملياً لتحقيق نظام الديمقراطية ) ( وركبت السفينة: مروان خليفات: ص502).

  وقال أحمد أمين : ( إن ترك الأمر – الخلافة – مفتوحا لمن شاء ، جعل المسلمين طوال عصرهم يختلفون على الخلافة) (وركبت السفينة: مروان خليفات: ص502)

وقال إبراهيم فوزي : ( وعند وفاة النبي ( ص)لم يكن قد وضع لهذه الدولة أي تشريع يبين شكل الحكم فيها ) (وركبت السفينة: مروان خليفات: ص502) .

ولم يعتمدوا في ذلك على دليل قرآني أو روائي محكم، بل استدلوا على ذلك بأمور منقوضة، وكل ذلك منهم لتبرير الخلافة التي جاءت بعد النبي (ص) ، فهم ينظرون إلى الأدلة لكي يبرروا ما فعله ما يسمّون بأصحاب رسول اللّـه ص من بعده وكيف استولوا على دفة الحكم كالخليفة الأول والثاني والثالث، ولم ينظروا إلى الأدلة بموضوعية وإنصاف، بل جاءوا بحكم مسبق وبحثوا عن مبرر من الشرع لذلك الحكم.

والحكم المسبق هو أحقيقة أبي بكر بالخلافة بعد النبي (ص) ، ثم يليه عمر، ثم يليه عثمان، ثم يليه علي بن أبي طالب (ع). ورتبوا أفضليتهم بهذا الترتيب أيضاً.

كما وأنه يوجد خلاف بين الطائفتين في كون الإمامة من أصول الدين ، أم من فروعه، فقال الشيعة بالأول وقال أهل السنة بالثاني.

وفي هذه الدراسة سنتعرّض لقول السنة الذين قالوا بالشورى وغيرها، ولقول الشيعة الذين قالوا بالتعيين والتنصيص من النبي (ص)، بشيء من التفصيل كي يتضح الحق للقارئ الكريم، تاركين له الحكم والاختيار.

أولاً: نظرية الشورى.

خلاصة هذه النظرية تتبنى القول بأن أمر تعيين الخليفة يكون بالشورى وبالانتخاب وبالديمقراطية بلغة اليوم.

ولكي تتضح حقيقة الأمر في هذه النظرية لابد من معرفة أمرين:

الأول: الشورى في القضايا الخاصة، من قبيل القضايا الاجتماعية والشخصية، وفي هذه الحدود نجد الشرع قد حث عليها؛ لأنها في الحقيقة ضم خبرات الآخرين والاستفادة منها، فمن شاور الناس شاركهم في عقولهم.

قال (ص) : ( لا مظاهرة أوثق من مشاورة ) (الوسائل طبعة آل البيت:ج12/ص39).

وقال أمير المؤمنين (ع): ( ما عطب امرؤ استشار )( مستدرك الوسائل:ج8/ص341).

قال (ع): ( لا رأي لمن انفرد برأيه ) (كنز الفوائد:ص171).

وقال (ع): ( من شاور ذوي الأسباب، دل على الرشاد) (مستدرك الوسائل:ج8/ص342).

وقد بيّن آل محمد حتى صفات الشخص الذي يُستشار، فلابد أن يكون متقياً ورعاً ناصحاً عاقلاً ومن ذوي الخبرة.

قال النبي ( ص): (استرشدوا العاقل، ولا تعصوه فتندموا)(مستدرك الوسائل:ج8/ص344).

عن أمير المؤمنين (ع) ، أنه قال : ( خير من شاورت ذوو النهى والعلم ، وأولو التجارب والحزم (مستدرك الوسائل:ج8/ص343).

وقال الصادق (ع): ( شاور في أمورك ما يقتضي الدين من فيه خمس خصال : عقل ، وعلم ، وتجربة ، ونصح ، وتقوى ، فإن [ لم ] تجد فاستعمل الخمسة ، واعزم وتوكل على اللّـه ، فإن ذلك يؤديك إلى الصواب، وما كان من أمور الدنيا التي هي غير عائدة إلى الدين، فاقضها ولا تتفكر فيها ، فإنك إذا فعلت ذلك أصبت بركة العيش ، وحلاوة الطاعة، وفي المشاورة اكتساب العلم، و العاقل من يستفيد منها علما جديدا ، ويستدل بها على المحصول من المراد، ومثل المشورة مع أهلها، مثل التفكر في خلق السماوات والأرضه وفنائهما ، وهما غنيان عن العبد، لأنه كلما ( قوى تفكره فيهما ) غاص في بحار نور المعرفة ، وازداد بهما اعتبارا ويقينا ، ولا تشاور من لا يصدقه عقلك ، وإن كان مشهورا بالعقل والورع ، وإذا شاورت من يصدقه قلبك ، فلا تخالفه فيما يشير به عليك ، وإن كان بخلاف مرادك ، فإن النفس تجمح عن قبول الحق ، وخلافها عند قبول الحقائق أبين ، قال اللّـه تعالى : ( وشاورهم في الأمر )، وقال اللّـه تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم )، أي: متشاورون فيه)( مستدرك الوسائل:ج8/ص344).

وغير ذلك من الروايات التي ذكروها في محلها والتي تتكلم عن المشاورة في الأمور الشخصية والاجتماعية التي لا مساس لها في تعيين الخليفة والحاكم والإمام.

الثاني: الشورى في اختيار الإمام أو الخليفة. وهذه ليس للإنسان دور فيها أبداً، فلم يعط الإنسان هذه الصلاحية في انتخاب الحاكم والإمام والخليفة.

وحدينا حول الأمر الثاني، أي: الشورى في اختيار الإمام والحاكم. وللحديث صلة ستأتي في الحلقات الآتية.

(صحيفة الصراط المستقيم * العدد 4 * )

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق

على جمعة: سماع الموسيقى حلال ومن يحرمها فلنفسه.. ونعيش دين النبى لا زمانه

قال الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق، إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر له شروط ...