ماذا تعرف عن المهديين الذين يحكمون في دولة العدل الإلهي – الحلقة الخامسة

وردت روايات كثيرة عن رسول الله وأهل البيت عليهم السلام تتحدث عن وجود مهديين يحكمون في دولة العدل الإلهي، وهذه الروايات من الكثرة بحيث قال عنها السيد محمد الصدر رحمه الله في موسوعته المهدوية بأنها تفوق حد التواتر بكثير. وسنحاول في هذه الحلقات إيراد ما وقعت عليه اليد منها، من مصادر الشيعة والسنة وبعض الكتب السماوية، والرد على بعض الشبهات التي اعترضها بها البعض، لنثبت بذلك واحدة من أهم القضايا العقائدية بعون الله تعالى.

ورد في كتاب الصراط المستقيم/ علي بن يونس العاملي ج2 ص149 وما بعدها كلام للبياضي هو قوله:

( أسند الحاجب برجاله إلى أمير المؤمنين عليه السلام قول النبي صلى ، الله عليه وآله : رأيت ليلة الاسرى في السماء قصورا من ياقوت ، ثم وصفها بما فيها من الفرش والثمار ، فسألت جبرائيل لمن هي ؟ فقال : لشيعة علي أخيك وخليفتك على أمتك ، وهم قوم يدعون في آخر الزمان باسم يراد به عيبهم يسمون الرافضة ، وإنما هو زين لهم ، لانهم رفضوا الباطل ، وتمسكوا بالحق ولشيعة ابنه الحسن من بعده ، ولشيعة أخيه الحسين من بعده ، ولشيعة على بن الحسين من بعده ، ولشيعة محمد بن على من بعده ولشيعة ابنه جعفر بن محمد من بعده ، ولشيعة موسى بن جعفر من بعده ، ولشيعة على ابنه من بعده ، ولشيعة ابنه محمد بن على من بعده ، ولشيعة ابنه على بن محمد من بعده ، ولشيعة ابنه الحسن بن على من بعده ، ولشيعة ابنه محمد المهدي من بعده . يا محمد هؤلاء الأئمة من بعدك أعلام الهدى ، ومصابيح الدجى … ( إلى قوله ) أسند الشيخ أبو جعفر الطوسي برجاله إلى علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله عند وفاته أملا عليه وصيته ، وفي بعضها : سيكون بعدي اثنا عشر إماما أولهم أنت ، ثم عد أولاده ، وأمر أن يسلمها كل إلى ابنه ، قال : ومن بعدهم اثنا عشر مهديا . قلت : الرواية بالاثني عشر بعد الاثني عشر شاذة ، ومخالفة للروايات الصحيحة المتواترة الشهيرة بأنه ليس بعد القائم دولة ، وأنه لم يمض من الدنيا إلا أربعين يوما فيها الهرج ، وعلامة خروج الأموات ، وقيام الساعة ، على أن البعدية في قوله : من بعدهم لا تقتضي البعدية الزمانية كما قال تعالى : ( فمن يهديه من بعد الله ) فجاز كونهم في زمان الامام وهم نوابه عليه السلام . إن قلت : قال في الرواية : ( فإذا حضرته يعني المهدي الوفاة فليسلمها إلى ابنه ) ينفي هذا التأويل ، قلت : لا يدل هذا على البقاء بعده يجوز أن يكون لوظيفة الوصية لئلا يكون ميتة جاهلية ، ويجوز أن يبقى بعده من يدعو إلى إمامته ولا يضر ذلك في حصر الاثني عشر فيه وفي آبائه . قال المرتضى : لا يقطع بزوال التكليف عند موته ، بل يجوز أن يبقى حصر الاثني عشر فيه ، بعد أئمة يقومون بحفظ الدين ومصالح أهله ، ولا يخرجنا هذا القول عن التسمية بالاثني عشرية لأنا كلفنا بأن نعلم إمامتهم إذ هو موضع الخلاف وقد بينا ذلك بيانا شافيا فيهم ، ولا موافق لنا عليهم ، فانفردنا بهذا الاسم عن غيرنا من مخالفيهم . وأنا أقول : هذه الرواية آحادية ، توجب ظنا ، ومسألة الإمامة علمية ولان النبي صلى الله عليه وآله إن لم يبين المتأخرين بجميع أسمائهم ، ولا كشف عن صفاتهم مع الحاجة إلى معرفتهم ، فليلزم تأخير البيان عن الحاجة ، وأيضا فهذه الزيادة شاذة لا تعارض الشائعة الذائعة . إن قلت : لا معارضة بينهما لان غاية الروايات يكون بعدي اثنى عشر خليفة . الأئمة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل ونحوها قلت : لو أمكن ذلك لزم العبث والتعمية في ذكر الاثني عشر ، ولان في أكثر الروايات وتسعة من ولد الحسين ويجب حصر المبتدأ في الخبر ، ولأنهم لم يذكروا في التوراة وأشعار قس وغيرها ولا أخبر النبي صلى الله عليه وآله برؤيتهم ليلة إسرائه إلى حضرة ربه ، ولما عد الأئمة الاثني عشر ، قال للحسن : لا تخلوا الأرض منهم ، ويعني به زمان التكليف ، فلو كان بعدهم أئمة لخلت الأرض منهم ، ويبعد حمل الخلو على أن المقصود به أولادهم لأنه من المجاز ، ولا ضرورة تحوج إليه ).

أقول : قوله ( الرواية بالإثني عشر بعد الإثني عشر شاذة ) أمر لا نسلم به ، بل لقد تقدم من سرد الروايات التي تحكي أمر المهديين أنها من المتواتر معنى، بل فاقت حد التواتر على حد تعبير السيد الصدر، فكيف تكون شاذة والحال هذه؟ وكذلك فإن هذه الروايات لا معارض لها ، وما زعموه من وجود المعارض لا حقيقة له . ومن المعلوم أن طرح الشاذ يصار إليه في حال التعارض .

أما قوله إنها ( مخالفة للروايات الصحيحة المتواترة الشهيرة بأنه ليس بعد القائم دولة ، وأنه لم يمض من الدنيا إلا أربعين يوما فيها الهرج ، وعلامة خروج الأموات ، وقيام الساعة )، فلا يعدو عن كونه وهماً، فسيتضح أن لا تعارض بين روايات المهديين والرجعة .

أما قوله : (على أن البعدية في قوله : من بعدهم لا تقتضي البعدية الزمانية كما قال تعالى : ( فمن يهديه من بعد الله ) فجاز كونهم في زمان الامام وهم نوابه عليه السلام . إن قلت : قال في الرواية : ( فإذا حضرته يعني المهدي الوفاة فليسلمها إلى ابنه ) ينفي هذا التأويل ، قلت : لا يدل هذا على البقاء بعده يجوز أن يكون لوظيفة الوصية لئلا يكون ميتة جاهلية ، ويجوز أن يبقى بعده من يدعو إلى إمامته ولا يضر ذلك في حصر الاثني عشر فيه وفي آبائه ) انتهى كلامه .

أقول هذا القول من التكلف والعنت بمكان ، كما أن في الرواية نفسها ما ينقضه ، فمن المعلوم إن قوله : ( يا علي إنه سيكون من بعدي إثنا عشر إماماً ومن بعدهم إثنا عشر مهدياً ) واضح في أن الإثني عشر إماماً بعده  بمعنى البعدية الزمانية ، فتكون هذه قرينة على أن مراده  من قوله ( ومن بعدهم إثنا عشر إماماً) يراد منها البعدية الزمانية . كما إن قياس البياضي على قوله تعالى ( فمن يهديه من بعد الله ) هو قياس مع الفارق ، لأنه يُعلم بالقرينة غير المتصلة أنه تعالى محيط بكل الزمان والمكان ومتعال عليهما ، فلا يخلو منه زمان ولا مكان ، ومن هذه القرينة يُعلم أن المراد في قوله تعالى لا يمكن أن يكون هو البعدية بالمعنى الزماني ، وهذه القرينة مفقودة فيما يتعلق بما قاله الرسول الكريم  . ومن الواضح جداً إن قوله  : (فإذا حضرته يعني المهدي الوفاة فليسلمها إلى ابنه ) يعضد ما قلنا ويؤكده، فهو بعد أن يموت وينقضي زمانه يحكم ولده. أما توجيهه للعبارة بدعوى أنه لوظيفة الوصية ، فهو منقوض بحقيقة أن ما يسلمها ليست هي الوصية، بل الإمامة ، فلا معنى لقوله ( لئلا يكون ميتة جاهلية ). والحق إن ما تمحله البياضي كان مدفوعاً بتوهمه أن ثمة تعارضاً بين روايات المهديين وروايات الأئمة الإثني عشر، وهو وهم لا حقيقة له، وسيأتي مزيد بيان له. أقول ومما يدل على أنه مدفوع بما ذكرنا قوله: (ويجوز أن يبقى بعده من يدعو إلى إمامته ولا يضر ذلك في حصر الاثني عشر فيه وفي آبائه ). وقوله : يجوز أن يبقى بعده من يدعو إلى إمامته، يريد به إن هذا الذي يبقى ليس بإمام ، وهو بخلاف ما ورد من أن المهديين أئمة وحجج، وإنهم يتسلمون الإمامة بعد الإمام المهدي ع . وكذلك يدل على أنه مدفوع بما قلنا ما نقله من كلام للشريف المرتضى .      

 ( صحيفة الصراط المستقيم – العدد 5 – السنة الثانية – بتاريخ 24-08-2010 م – 13 رمضان 1431 هـ.ق) 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

9 أعراض للاكتئاب تتعرف عليها لأول مرة.. أغربها منزلك غير النظيف

ارتفعت بشكل ملحوظ معدلات الإصابة بمرض الاكتئاب على مدار العقود الماضية، والغريب أنه بدأ يعرف ...