ماذا تعرف عن المهديين الذين يحكمون في دولة العدل الإلهي – الحلقة الثالثة

وردت روايات كثيرة عن رسول اللّـه وأهل البيت عليهم السلام تتحدث عن وجود مهديين يحكمون في دولة العدل الإلهي، وهذه الروايات من الكثرة بحيث قال عنها السيد محمد الصدر رحمه اللّـه في موسوعته المهدوية بأنها تفوق حد التواتر بكثير. وسنحاول في هذه الحلقات إيراد ما وقعت عليه اليد منها، من مصادر الشيعة والسنة وبعض الكتب السماوية، والرد على بعض الشبهات التي اعترضها بها البعض، لنثبت بذلك واحدة من أهم القضايا العقائدية بعون اللّـه تعالى.

سنجيب في هذه الحلقة عن الشبهات التي أثارها البعض اعتراضاً على روايات المهديين، وكما يلي:

1- تحدث البعض عن وجود تعارض بين روايات المهديين  وبين الروايات التي تدل على الرجعة، اعتماداً على ما ورد في بعض هذه الروايات مما يستفاد منه بحسبهم أن الرجعة تقع بعد وفاة الإمام المهدي ع . قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات  : ( وأقول : إن اللّـه – تعالى – يرد قوما من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي  كانوا عليها فيعز منهم فريقا ويذل فريقا ويديل المحقين من المبطلين، والمظلومين منهم من الظالمين ، وذلك عند قيام مهدي آل محمد  )[أوائل المقالات : للشيخ المفيد   ص 77 – 78].

وينقل العلامة المجلسي في بحار الأنوار عن الإرشاد : ( ليس بعد دولة القائم لأحد دولة إلا ما جاءت به الرواية من قيام ولده إنشاء اللّـه ذلك ، لم يرد على القطع والثبات وأكثر الروايات أنه لن يمضي مهدي الأمة إلا قبل القيامة بأربعين يوما يكون فيها الهرج ، وعلامة خروج الأموات ، وقيام الساعة للحساب والجزاء . واللّـه أعلم )[ بحار الأنوار : ج 53 – ص 145 – 146].

وقال العلامة المجلسي في بحار الأنوار ، بعد أن يذكر بعضاً من روايات المهديين  :

( بيان : هذه الأخبار مخالفة للمشهور ، وطريق التأويل أحد وجهين : الأول أن يكون المراد بالإثني عشر مهديا النبي صلى اللّـه عليه وآله وسائر الأئمة سوى القائم عليه السلام بأن يكون ملكهم بعد القائم عليه السلام وقد سبق أن الحسن بن سليمان أولها بجميع الأئمة وقال برجعة القائم عليه السلام بعد موته وبه أيضاً يمكن الجمع بين بعض الأخبار المختلفة التي وردت في مدة ملكه عليه السلام . والثاني أن يكون هؤلاء المهدييون من أوصياء القائم هادين للخلق في زمن سائر الأئمة الذين رجعوا لئلا يخلو الزمان من حجة ، وإن كان أوصياء الأنبياء والأئمة أيضا حججا واللّـه تعالى يعلم )[ بحار الأنوار : ج 53 – ص 148 – 149].

أقول ما ذهب له العلامة المجلسي واضح الضعف فالتأويل الأول لا يستقيم أبداً مع ما ورد من إن المهديين من أبناء وذرية الإمام المهدي ع والرسول  والأئمة ليسوا أبناء المهدي  بل آبائه! وتتضح المفارقة الغريبة أكثر إذا علمنا أن المجلسي يذكر أيضاً أن الحسن بن سليمان قال برجعة القائم ع بعد موته، وهنا يصبح القائم ابنا مرة أخرى بعد أن صار أباً ؟؟؟!!!

أما التأويل الثاني فالظاهر الواضح من روايات المهديين  يخالفه فهي واضحة في أن المهديين حكام بعد أبيهم u ، بل إن رواية الوصية فيها : ( فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه …) وهذا واضح في إن المهدي الأول من المهديين الإثني عشر  يستلم قيادة الأمة بعد وفاة أبيه . فالمهديون  حجج بالتأكيد ومعصومون .

وقد علق السيد محمد الصدر في كتابه تاريخ ما بعد الظهور ، قال : ونود ان نعلق اولاً على كلام المجلسي : انه اعترف سلفاً ان كلا الوجهين نحو من انحاء التأويل ، والتأويل دائماً خلاف الظاهر ، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة ، ولا يكفي مجرد الإمكان أو الاحتمال لإثباته . وعلى أي حال ، فالوجه الأول : حاول فيه المجلسي ان يقول : إن الأولياء الاثني عشر بعد المهدي ع هم الأئمة المعصومون الاثنا عشر أنفسهم ، فترتفع المعارضة بين روايات الأولياء وروايات الرجعة ويكون المراد منهما معاً الأئمة المعصومين أنفسهم .

إلا أن هذا الوجه قابل للمناقشة من وجوه ، نذكر منها اثنين :

الوجه الاول : إن عدداً من روايات الأولياء التي سمعناها، تنص على ان الأولياء الأثني من ولد الامام المهديu … مع ان الأئمة المعصومين السابقين هم آباء الإمام المهدي بكل وضوح .

الوجه الثاني : إننا لم نجد – كما عرفنا- دليلاً كافياً على عودة الأئمة الاثنا عشر كلهم ، لا بشكل عكسي ولا بشكل مشوش ، وانما نص فقط – بعد النبي – على أمير المؤمنين ع وابنه الحسين ع. واذا لم يثبت رجوع الأئمة الإثنا عشر جميعاً كيف يمكن حمل هذه الأخبار عليه .

وأما الوجه الثاني : الذي ذكره المجلسي ، فيتلخص في الاعتراف بوجود الأئمة المعصومين  والأولياء الصالحين في مجتمع ما بعد المهدي ع متعاصرين ، ولكن الحكم العام سيكون للمعصومين  . وأما الأولياء فسيكونون هداة عاملين في العالم من الدرجة الثانية . وبذلك يرتفع التعارض بين الروايات .

وأوضح ما يرد على هذا الوجه هو أن روايات الأولياء صريحة بمباشرتهم للحكم على اعلى مستوى ، بحيث يكون التنازل عن هذه الدلالة تأويلاً باطلاً. كقوله (ليملكن منا أهل البيت رجل ) ، وقوله ( فإذا حضرته الوفاة فليسلمها – يعني الإمامة او الخلافة – إلى ابنه أول المهديين) ، وقوله (اللّـهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده) ونحوه في الدعاء الاخر … وبعد هذه المناقشات وقبل اعطاء الفهم الكامل لحكم الأولياء الصالحين ، لابد لنا ان نجيب على هذا السؤال الذي يخطر في ذهن القارئ وهو اننا كيف استطعنا ان نعتبر روايات الاولياء كافية للاثبات التاريخي على حين لم نعتبر روايات الرجعة كافية للاثبات ، مع انها اكثر عدداً واغزر مادة ؟ …

واما من زاوية كفاية روايات الاولياء للاثبات التاريخي فهو واضح طبقاً لمنهجنا في هذا التاريخ ؛ لانها متكثرة ومتعاضدة وذات مدلول متشابه الى حد بعيد .

واما من زاوية معارضتها لاخبار الرجعة ، فهو واضح بعد فشل الوجهين اللذين ذكرهما المجلسي للجمع بين الاخبار ؛ اذ يدور الامر عندئذ بين ان يكون الحكم بعد المهدي ع موكولا الى المعصومين  او الى الاولياء الصالحين . ونحن حين نجد ان اخبار الرجعة غير قابلة للأثبات – كما عرفنا – ونجد ان اخبار الاولياء قابلة للاثبات – كما سمعنا – لا محيص لنا على الاخذ بمدلول اخبار الاولياء بطبيعة الحال .

وبالرغم من ان مجرد ذلك كاف في السير البرهاني، الا اننا نود ان نوضح ذلك بشكل اكثر تفصيلاً .

ان نقطة القوة الرئيسية في اخبار الاولياء المفقودة في اخبار الرجعة ،هي ان اخبار الاولياء ذات مضمون مشترك تتسالم عليه بخلاف اخبار الرجعة ، فانها ذات عشرة مداليل على الاقل ، ليس لكل مدلول الا عدد ضئيل من الاخبار قد لا يزيد احياناً على خبر واحد . ومن هنا نقول لمن يفضل اخبار الرجعة : هل انت تفضل اخباراً منها ذات مدلول معين ، كرجوع الامام الحسين ع مثلاً، او تفضل تقديم مجموع اخبار الرجعة ؟

فان رأيت تفضيل قسم معين من اخبار الرجعة ، فهي لا شك اقل عدداً واضعف سنداً من أخبار الأولياء ، بل واقل شهرة ايضاً ، وكل قسم معين منها يصدق عليه ذلك بكل تأكيد ، غير ما دل على رجوع الإمام علي بن أبي طالب ع الذي سوف نشير إليه .

وان رأيت تفضيل مجموع أخبار الرجعة على أخبار الأولياء ، اذاً فستصبح أخبار الرجعة بهذا النظر متعارضة ومختلفة المدلول كما عرفنا…..). انتهى كلامه رحمه اللّـه .

أقول السيد الصدر هنا يثبت روايات المهديين  ، ولكن إذا كان هذا الإثبات على حساب روايات الرجعة بزعم وجود التعارض فهو في غير محله ، إذ لا تعارض في الحقيقة.

ولعل ما ذهبوا له من تعارض بين روايات المهديين وروايات الرجعة قد توهموه مما ورد في بعض الروايات، من قبيل ما ورد عن الحسن بن علي الخراز قال : ( دخل علي بن أبي حمزة على أبي الحسن الرضا {عليه السلام} فقال له : أنت الإمام ؟ قال نعم . فقال له أني سمعت جدك جعفر بن محمد يقول لا يكون الإمام إلا وله عقب فقال أنسيتَ يا شيخُ ، أو تناسيت ؟! ليس هكذا قال جعفر ، إنما قال جعفر {عليه السلام} : لا يكون الإمام إلا وله عقب ، إلا الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن علي فانه لا عقب له ؟ فقال له : صدقتَ جعلتُ فداك هكذا سمعتُ جدك يقول )[ النجم الثاقب : ج2 ص73 – الغيبة للطوسي : ص 224].

وعن جابر بن يزيد الجعفي قال ( سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام يقول ليملكن رجل منا أهل البيت ثلثمائة سنة وتزداد تسعا قال : قلت له متى يكون ذلك فقال بعد موت القائم صلوات اللّـه عليه فقلت وكم يقوم القائم في عالمه حتى يموت قال تسع عشرة سنة من يوم قيامه إلى يوم موته )[ مختصر بصائر الدرجات : ص 213].

وينقل العلامة المجلسي في بحار الأنوار   عن غيبة الطوسي:

( عن جابر الجعفي قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : واللّـه ليملكن منا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة يزداد تسعا قلت : متى يكون ذلك ؟ قال : بعد القائم قلت : وكم يقوم القائم في عالمه ؟ قال : تسع عشرة سنة ، ثم يخرج المنتصر فيطلب بدم الحسين ودماء أصحابه ، فيقتل ويسبي حتى يخرج السفاح)[ بحار الأنوار : ج 53  ص 145].

وفي بحار الأنوار : عن ( تفسير العياشي : عن جابر قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : واللّـه ليملكن رجل منا أهل البيت الأرض بعد موته ثلاثمائة سنة ، ويزداد تسعا قال : قلت : فمتى ذلك ؟ قال : بعد موت القائم ، قال : قلت : وكم يقوم القائم في عالمه حتى يموت ؟ قال : تسع عشرة سنة ، من يوم قيامه إلى موته قال : قلت فيكون بعد موته هرج ؟ قال : نعم خمسين سنة . قال : ثم يخرج المنصور إلى الدنيا فيطلب دمه ودم أصحابه فيقتل ويسبي حتى يقال لو كان هذا من ذرية الأنبياء ، ما قتل الناس كل هذا القتل ، فيجتمع الناس عليه أبيضهم وأسودهم ، فيكثرون عليه حتى يلجؤونه إلى حرم اللّـه فإذا اشتد البلاء عليه ، مات المنتصر ، وخرج السفاح إلى الدنيا غضبا للمنتصر ، فيقتل كل عدو لنا جائر ، ويملك الأرض كلها ، ويصلح اللّـه له أمره ، ويعيش ثلاثمائة سنة ويزداد تسعا . ثم قال أبو جعفر عليه السلام : يا جابر وهل تدري من المنتصر والسفاح ؟ يا جابر المنتصر الحسين ، والسفاح أمير المؤمنين صلوات اللّـه عليهم أجمعين )[ بحار الأنوار : ج 53  ص 146 – 147].

وورد عن الإمام الصادق ع قال : ( ويقبل الحسين ع في أصحابه الذين قتلوا معه ومعه سبعون نبيا كما بعثوا مع موسى بن عمران ع فيدفع إليه القائم ع الخاتم فيكون الحسين عليه السلام هو الذي يلي غسله وكفنه وحنوطه ويواري به في حفرته ع )[ مختصر بصائر الدرجات- الحسن بن سليمان الحلي  ص 48].

هذه الروايات في الحقيقة لا تتعارض مع ما ورد من روايات تؤكد وجود مهديين يحكمون بعد الإمام المهدي ع . فالجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات ممكن تماماً، فالمهدي أو القائم التي تشير الروايات إلى رجعة الإمام الحسين ع عليه وتكفله أمر تغسيله ومواراته هو المهدي الثاني عشر أو الأخير من المهديين الإثني عشر الذين يحكمون بعد الإمام المهدي، فهذا المهدي هو الذي لا عقب له والذي بموته تحصل الرجعة، فالرجعة بحسب هذا الفهم الصحيح تحصل بعد أن ينتهي حكم المهديين الإثني عشر.

وبهذا الفهم المؤيد من روايات كثيرة تدل على وجود ذرية للإمام المهدي محمد بن الحسن ع نستطيع أن نحتفظ بروايات المهديين وروايات الرجعة معاً، دون تفريط بأي منهما.

 ( صحيفة الصراط المستقيم – العدد 3 – السنة الثانية – بتاريخ 10-08-2010 م – 29 شعبان 1431 هـ.ق) 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

9 أعراض للاكتئاب تتعرف عليها لأول مرة.. أغربها منزلك غير النظيف

ارتفعت بشكل ملحوظ معدلات الإصابة بمرض الاكتئاب على مدار العقود الماضية، والغريب أنه بدأ يعرف ...