ماذا تعرف عن الإسرائيليات وكيف انتشرت بين المسلمين – الحلقة الثالثة

الكثير من عقائد اليهود وأحكامهم تسرّبتْ لعقائد المسلمين، وقد حفلت كتب بعض فرق المسلمين بما اصطلح عليه بالإسرائيليات، وسنحاول في هذا البحث تقديم صورة عن كيفية انتشار هذه العقائد والمرويات الإسرائيلية بين المسلمين، ليتضح لكم أن هذه الأمة التي انحرفت عن ذرية نبيها لم تترك جحراً دخلته الأمم المنحرفة إلا دخلته، تصديقاً لقول النبي: (( لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل )) وسنجعل البحث بصورة حلقات، كل حلقة تحمل عنواناً خاصاً

ينسبون أخبار اليهود للنبي صلى الله عليه و آله

إن جمعاً من صحابة النبي صلى الله عليه وآله كانوا يرْوون عن كعب الأحبار روايات وينسبونها للنبي صلى الله عليه وآله ، إما تعمّداً أو غفلة :
منهم: أبو هريرة:


فقد أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم


بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، من آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل.[ صحيح مسلم 4/2149 . مسند أحمد 2/327 . السنن الكبرى للبيهقي 9/3 . السنن الكبرى للنسائي 6/ 293 . مسند أبي يعلي 5/354 . تفسير ابن كثير 4/94 . الجامع الصغير 1/606 ورمز له السيوطي بالصحة . صحيح الجامع الصغير 1/615 . الفتح الكبير 1/563 ].

قال ابن كثير: وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلَّم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفَّاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعاً، وقد حرَّر ذلك البيهقي [  تفسير القرآن العظيم 1/69 . وكذا قال ابن القيم في المنار المنيف ، ص 84 . نقد المنقول، ص 78. والمناوي في فيض القدير 3/448 ].

ولا يخفى أن هذا الحديث خلاف صريح القرآن الكريم، فإن الله جل وعلا قال ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرهِ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالمَينَ﴾ فنصّت هذه الآية على أن الله سبحانه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، بينما دلَّ هذا الحديث على أن الله تعالى خلق المذكورات في سبعة أيام، لا في ستة. . . ولذا حاول البخاري وغيره إزاحة اللوم عن أبي هريرة الذي نسب الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صراحة، وألقوا باللائمة في الحديث على الرواة عن أبي هريرة، مع أن أبا هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي فقال ……وربما يكون للتبرير الذي قالوه وجه لو لم يقل أبو هريرة هذه العبارة، وأما مع صريح النسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يمكن مثل هذا التبرير والتعذير?!

ومن ذلك أيضاً ما أخرجه مسلم وابن خزيمة والترمذي وأبو داود والنسائي

والحاكم والضياء المقدسي وابن حبان وغيرهم بأسانيدهم عن أبي هريرة عن النبي

قال: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها

[صحيح مسلم 2/585 . صحيح ابن خزيمة 3/116 . سنن الترمذي 2/359، 362 . سنن أبي داود 1/274 . سنن النسائي 3/100 ، 127 . السنن الكبرى للنسائي 1/ 517، 518، 540 . صحيح ابن حبان 7/7 . المستدرك 1/278 – 279 . الأحاديث المختارة 9/ 242، 227 . تفسير ابن كثير 1/80، 3/179. موارد الظمآن 1/ 444].

وعند ابن خزيمة والترمذي وغيرهما: وفيه تقوم الساعة.

قال ابن خزيمة: قد اختلفوا في هذه اللفظة في قوله: (فيه خلق آدم) إلى قوله: (وفيه تقوم الساعة)، أهو عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله ، أو عن أبي هريرة عن كعب الأحبار? قد خرجت هذه الأخبار في كتاب (الكبير) من جعل هذا الكلام رواية من أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم،

ومن جعله عن كعب الأحبار، والقلبُ إلى رواية من جعل هذا الكلام عن أبي هريرة عن كعب أميَل; لأن محمد بن يحيى حدثنا قال: نا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة . قال: قلت له: أشيء سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: بل شيء حدثناه كعب[صحيح ابن خزيمة 3/116 ].

وأخرج الحاكم النيسابوري في المستدرك بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما جلس قوم مجلساً كثر لغطهم فيه، فقال قائل قبل أن يقوم: (سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك ثم أتوب إليك)، إلا غُفر له ما كان في مجلسه هذا.

قال الحاكم: هذا الإسناد صحيح على شرط مسلم، إلا أن البخاري قد علله بحديث وهيب عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب الأحبار من قوله فالله أعلم [ المستدرك على الصحيحين 1/536 ].

وعليك بمراجعة ما كتبه الكاتب المصري محمود أبو رية رحمه الله في روايات أبي هريرة التي أخذها من كعب في كتابيه (شيخ المضيرة أبو هريرة)، و(أضواء على السنة المحمدية)، فإنه نافع جداً

ومنهم: عبد الله بن عمر:

فقد أخرج أحمد بن حنبل في المسند بسنده عن عبد الله بن عمر أنه سمع نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن آدم لما أهبطه الله تعالى إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة: هلمّوا ملكين من الملائكة حتى يهبط بهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان. قالوا: ربنا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك. فقالا: والله لا نشرك بالله أبداً. فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا: لا والله لا نقتله أبداً. فذهبت ثم رجعت بقدح خمر، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر. فشربا فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي. لما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئاً مما أبيتماه عليَّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما. فخُيِّرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا[مسند أحمد 2/ 134 . شعب الإيمان 1/ 180 . الترغيب والترهيب 3/163 . السنن الكبرى للبيهقي 10/ 4 . مجمع الزوائد 5/68 قال الهيثمي : رواه أحمد والبزاز ، ورجاله رجال الصحيح ، خلا موسى بن جبير وهو ثقة . 6/ 313 . تفسير ابن كثير 1/ 138 ].


قال ابن كثير: وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن الحسن، عن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن بكير به، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء، وروى عن ابن عباس، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب بن مالك… وروى له أبو داود وابن ماجة، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل [الجرح والتعديل 8/139 ]، ولم يحكِ فيه شيئاً من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله .

ثم ساق حديثاً مثله وقال: وهذان أيضا غريبان جداً، وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار لا عن النبي صلى الله عليه وآله كما قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار،

قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم

اثنين. فاختاروا هاروت وماروت…الخ.

ثم قال: فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل ، والله أعلم [تفسير القرآن العظيم 1/ 138 . ].

ومنهم: عبد الله بن عباس

قال ابن كثير بعد أن ساق حديثاً طويلاً عن ابن عباس: رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله، وصِدْقُ ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قُتل،

فقال: كيف يفشي عليه ولم يكن علم به، ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك? فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية وانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري، فقال له: يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله عن قتيل موسى الذي قُتل من آل فرعون ؟

الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني? قال: الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره.

وهكذا رواه النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه ، وكأنه تلقّاه ابن عباس رضي الله عنهما مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضاً [  تفسير القرآن العظيم 3/152 ].

ومنهم: النعمان بن بشير:

أخرج ابن جرير الطبري وابن كثير في تفسيريهما بإسنادهما عن كعب الأحبار، قال: إن لِسُبحانَ الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لدويا حول العرش كدوي النحل، يذكرن لصاحبهن والعمل الصالح في الخزائن[تفسير الطبري 22/80 . تفسير القرآن العظيم 3/549 ].

قال ابن كثير في التفسير: وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار رحمة الله عليه، وقد روي مرفوعاً – أي عن النبي صلى الله عليه وآه – ، قال الإمام أحمد… عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الذين يذكرون من جلال الله من تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرون بصاحبهن، ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شيء يذكر بشيء يذكر به [مسند أحمد بن حنبل 4/ 268، 271] وهكذا رواه ابن ماجة[سنن ابن ماجه 2/1252 . المصنف لابن أبي شيبة 6/54 ، 7/177 . المستدرك 1/500، 1/503 وقال : صحيح على شرط مسلم . ووافقه الذهبي . الدعاء للطبراني ، ص 482 . الترغيب والترهيب 2/240 . مسند البزار 8/199 . حلية الأولياء 4/ 269 . صححه البوصيري في مصباح الزجاجة 3/193، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/320 ] .. عن النعمان بن بشير رضي الله عنه به [تفسير القرآن العظيم 3/549 ].

صحيفة الصراط المستقيم – العدد 44 – السنة الثانية – بتاريخ 24-05-2011 م – 21 جمادي الثاني 1432 هـ.ق)  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق

على جمعة: سماع الموسيقى حلال ومن يحرمها فلنفسه.. ونعيش دين النبى لا زمانه

قال الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق، إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر له شروط ...