حكمة الله سبحانه في حاكميته

حكمة الله الإمام المهدي (ع)لا شك في أن الحكومة هي دين يدين به المحكومون ؛ فقد قيل قديما : الناس على دين ملوكهم فهي من جهة تتلون بلون جاعلها ،
ومن جهة أخرى يظهر أثرها في الرعية جليا واضحا ، ولذلك لما كان التنصيب بأصله إلهيا محضاً تجد الخالق سبحانه لم يترك حبلها على الغارب بل وضع لها ضوابط شرعية وموازين يتحاسب عليها الناس غدا حيث ورد عن رسول الله(ص) ما معناه (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)


وهذا الحديث الشريف يكشف عن أمر إلهي خطير جدا تغاضى الناس عنه وأعرضوا من دون أن يكون لذلك الإعراض سبب يبرره غير الجهل بمراد الله سبحانه والتمرد على أوامره استجابة لداعي الأنا البغيض !!! وهذا الأمر هو : إنّ الإنسان بوصفه جنس من المخلوقات فالله سبحانه قد جعله حاكما عليها ولذلك غدا يأتي كل واحد من المخلوقين إلى صفحته ليجد أنه قد خان نفسه خيانة عظيمة عندما انشغل عن تكليفه بما لم يكلف به فأضر من الجهتين ؛ الأولى : إنه عطل عمل المنصّب عليه بخلق التمرد والعصيان!! والثانية : انشغل بما لم يكلف به عما كلف به لجهله بجهة التكليف وزمانها ومكانها ، وقلة التفاته إلى جهة الغيب وكثرة العرجة على الدنيا حتى كأنها هي دار القرار!!!!
لذا فالحكومة أمر فطري عند الإنسان وهو يباشرها بفطرته وليس تكلفا أو تعسفا فقد ورد عن أمير المؤمنين(ص) ما معناه (لابد للناس من أمير برا كان أو فاجرا …) ولكن ما يجعله يرتكب الظلم فيها والجور هو أنه يباشرها بغير الجهة التي كلف بها ؛ حيث يباشرها بأمره لا بأمر الله فيكون ظالما ، ويأتيها من غير جهتها التي جعلها الله سبحانه لصاحبها فيجور بها وعليها ، وكأنه ينسى أو يتناسى أن الحكومة مجعولة فيه لا لخطره بل موجودة فيه بأمر الله سبحانه وإرادته ابتلاء واختباراً ، ليؤكد المكلف استحقاقه لسمة العبودية التي بها أخرج الله سبحانه من خزائن مكنونه ما يعرف به عند خلقه أجمعين ،  ولذا فهو يأخذ شرعية وجودها فيه من الله سبحانه غير أنه يباشرها من الجهة الخطأ بزعمه ورأيه !!!
فشرعية الحاكمية التي يمارسها الإنسان هي من الله سبحانه بوصفها أمر مجعول فيه ، غير أنه يظلم نفسه من خلال وضعها في المكان الخطأ فيظلم ويجور ، ولذلك الذي يأخذ مكانه الذي جعله الله له ويعمل به بمراد الله سبحانه لا يتعداه إلى رأيه أو آراء الناس فإنه بالضرورة يكون عادلا مقسطاً ومن هنا يكون معصوما لأنه حبس نفسه على مراد الله سبحانه لا يتعداه إلى ما دونه .
ومن ثم فممارسة الحاكمية مرتبطة ارتباطا وثيقاً بالجاعل لها ؛ فإن كان الجاعل لها الغيب أخذ المنصب (المجعول) شرعيته وشرعته من الغيب ، وإن كان جاعلها غير الغيب فكذلك يأخذ المنصب شرعيته وشرعته ممن نصبه!!! وعلى هذا جرت سنة الحاكمية في الكون من خلق آدم(ع) إلى يومنا هذا ، فليس هناك من حاكم إلهي تعقد له البيعة في الرقاب إلا وله شرعة ومنهاج ؛ قال تعالى{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}(المائدة/48) ورد عن آل محمد(ص) قولهم في هذه الاية : (قوله شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مخاطبة لرسول الله ص ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أي تعلموا الدين يعني التوحيد و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم شهر رمضان و حج البيت و السنن و الأحكام التي في الكتب و الإقرار بولاية) (تفسير القمي) ، وورد عن صاحب البحار(فحدثني أبي عن علي بن مهزيار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله ع في قول الله أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ قال الإمام وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كناية عن أمير المؤمنين ثم قال كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من أمر ولاية علي اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ كناية عن علي ع وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ثم قال فَلِذلِكَ فَادْعُ يعني إلى ولاية أمير المؤمنين ع وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ فيه وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ إلى قوله وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (بحار الأنوار : 6/328)  ومثلما تكون حاكمية الغيب لها صور متعددة كأن يكون الحاكم ؛ نبياً أو رسولاً أو وصياً أو إماماً أو خليفة أو أميراً ، كذلك هي حاكمية من لم ينصّبه الغيب فهو يتشبه بالغيب بل ويسطو على مسمياته ؛ فيسمي المنصّب منه ؛ حاكما أو رئيساً أو أميراً أو خليفة أو ملكاً أو سلطاناً أو زعيماً أو قائداً …. إلى غيرها من المسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان في هذا المنصب .
تستند حاكمية الغيب إلى أركان ثلاثة ظاهرة أي شهودية وواحد غيبي يمثل الجاعل ويكون سبيل التواصل مع المنصب وسرّه ومحور قوته وتمكينه ، وتلك الأركان هي :
1- الله سبحانه الجاعل ؛ وهو الغيب المطلق الغني بذاته وهو منبع الفيض ومدينة الكمالات ، وهذا الركن هو الركن الغيبي الذي لا سبيل لظهوره إلا بالمنصب منه سبحانه .
2- الحاكم ؛ وهو المنصب الذي أوكل الله إليه تدبير أمر المخلوقين من أول الخلق إلى آخره ، والجاعل هو محمد وآل محمد(ص) ولروايات في هذا المعنى كثيرة!!
3- الشريعة ؛ أي المنهج الذي تسير به الحاكمية في إدارة الدولة والناس أو ما يصطلح عليه الناس اليوم بـ(الدستور) ،
4- المحكوم(الرعية) : ومهمتها الإنصاف وحسن السيرة .
وأفاد نظام حاكمية الناس من هيكلية حاكمية الله سبحانه ، فاحتفظ بالأركان الأربعة غير أنه بدل هذه الأركان ، بأركان هي من ابتداعه ومن بنات أفكاره ـ كما يقال ـ فكانت أركان حاكمية الناس هي :
1- الشعب ؛ وهو ركن يقرب من الغيبية بحسب فهم نظام حاكمية الناس لأنه يعطي الشرعية في بناء الدولة ولكنه لا صلاحية له في تسييرها أو فرض مشاريع سياسية عليها ، ذلك لأنه بعد انتهاء دوره بوصفه الجاعل ، سيتحول من هذا الدور الخطير إلى دور آخر يلعبه وهو دور المحكوم(الرعية) ، وهنا تكمن المفارقة والمغالطة معاً التي حاول النظام الديمقراطي الالتفاف عليها وتهميشها فصنع مجلساً للخبراء أو مجلساً وطنياً يصل له الأعضاء بطريقة التنصيب من سادة هذا المجلس ، غير أن المفارقة لم تنته بل بقيت عالقة ذلك أن هذا المجلس من أين اكتسب شرعية وجوده؟؟؟؟ فهذه الشرعية (غير الشرعية) هي وليد لا شرعية له مطلقاً .
2- الحاكم المنتخب وبطرق متعددة أو متلونة فمنها على سبيل المثال لا الحصر ؛  الانقلابات والثورات والمؤامرات ، ومن ثم انتقلوا إلى سبل أقل دموية من مثل الاقتراع السري ، نظام القوائم الانتخابية المفتوحة أو المغلقة ، أو الاستفتاء ، وما إلى ذلك من سبل الحاكمية البشرية .
3- الدستور أو لائحة القوانين التي ينبري لكتابتها جمع ممن درس القانون وله اطلاع على كيفية إعداد مسودة دستور تطرح للاقتراع أو التصويت من قبل الشعب .
4- الرعية (المحكومون) الذين هم في بدء العملية كانوا سادة الموقف وهم الذين يقررون مصير الحكومة ـ كما يتصورون ـ ولذلك فهم ينتخبون مجلس الشعب (البرلمان) ومن ثم تنتقل السلطات التشريعية من الشعب إلى ممثليه في البرلمان ، وما يراه البرلمان فعلى الشعب أن يوافق عليه بغض النظر عن رضاه من عدمه ، لأن هذا البرلمان هو بحقيقته صورة للشعب ولكنها صورة مسخ تماما !! يقرر باسمه ويسلبه حقوقه باسمه ويعتدي عليه باسمه ، ولذلك صدق من قال للناس مخاطبا إياهم كي ينتبهوا من غفلتهم : إن هذه الحكومة عاركم الذي صنعتموه بأيديكم وأنتم أولى بغسل عاركم !!
فهل من سامع للنصح؟؟!! وهل من متدبر للحكمة الإلهية؟؟!! بعد هذا الذي جنته البشرية من وراء صنع هياكل الحكومات الصنمية التي راح الناس يعبدونها من دون الله سبحانه وفي أوضح مصداق من مصاديق الحاكمية ألا وهو حرمة الدم أو حليته فقد انتقلت من اليد الإلهية المنصبة بعد عزلها وتعطيلها ، وصارت بيد الطواغيت الذين لم يرعوا في الناس إلاً ولا ذمة ، بل أباحوا الدماء وانتهكوا الحرمات وهم بالأمس كانوا يتملقون أولئك الذين عدوا اليوم عليهم قتلا وتشريدا وهتك حرمات!!!!!!!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تفاصيل 5 محاولات فاشلة لسرقة قبر الرسول

يَا سيِّدى يا رســولَ الله خُذْ بيدِى * ما لى سِواكَ ولا أَلْـــوى على أحدِ ...