قراءة في آية المودة – الجزء الأول

قال تعالى:﴿ ذالِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)سورة الشورى: الآية 23.

لاشكّ أن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) تحمّل في طريق إبلاغ الرسالة ونشر الدعوة السماوية، أتعاباً كثيرة ومشقّات باهظة ولكنه بالرغم من ذلك لم يطلب أجراً مقابل هذه الأتعاب والمشقّات، وعندما جاءه بعض المسلمين وقالوا له: إذا كنت تشكو من فاقة ونقص مالي فإننا نضع بين يديك أموالنا بدون قيد أو شرط، فنزلت الآية أعلاهالتفسير الأمثل: سورة الشورى، الآية مورد البحث،﴿ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).وأكدّت على أن النبي لا يريد أجراً في مقابل أداء الرسالة وتبليغ الدعوة.

 إلاَّ الْمَودَّةَ فِي الْقربى، والنتيجة هي أن نبي الإسلام لم يطلب شيئاً بعنوان أجر في مقابل أتعابه وزحماته للإسلام والمسلمين سوى أمراً واحداً وهو مودّة أقربائه وأرحامه. 

من هم القربى؟

إنّ جميع الأبحاث التي تدور حول هذه الآية الشريفة تتركز على كلمة القربىوتفسيرها، فمن هم القربى في هذه الآية والذين طلب رسول الله من المسلمين مودّتهم ومحبّتهم بعنوان أجر الرسالة؟

 بعض العلماء والمفسّرين مرّوا على هذه الآية مرور الكرام ولم يتعبوا أنفسهم في تدبّرها والتأمل فيها، ولعلّ ذلك لأنهم لم يجدوا فيها إنسجاماً مع تصوراتهم القبلية ومسبوقاتهم الفكرية، في حين أن الآية الشريفة عميقة المغزى، ولأجل أن ندرك عظمة هذه الآية بما فيها من معان عميقة علينا أن نستوحي ونستعين لهذا الغرض من الآيات القرآنية الاُخرى التي تتحدّث في هذه المسألة على لسان سائر الأنبياء (ع).

 لو أمعنّا النظر في سورة الشعراء لرأينا أن مسألة أجر الرسالة قد طرحت قبل نبي الإسلام على لسان خمسة من الأنبياء العظام وهم: نوح، هود، صالح، لوط، وشعيب (عليهم السلام)، ولكن هؤلاء الأنبياء لم يذكروا في استغنائهم عن الأجر مسألة المودّة في القربى، حيث ذكروا جميعاً هذه المسألة بقولهم:

 ﴿وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ الْعالَمِينَ)سورة الشعراء: الآيات 109، 127، 145، 164، 180. وقد ورد هذا المضمون في آيات أُخرى من القرآن الكريم على لسان الأنبياء الكرام).

 وهنا يثار هذا التساءل: كيف لم يطلب هؤلاء الأنبياء أجراً في مقابل أداء الرسالة ولكن رسول الإسلام طلب الأجر عليها بعنوان «المودّة في القربى»؟

 هل أنّ مقام هؤلاء الأنبياء أعلى من مقام نبي الإسلام؟

 بلا شكّ أن محمّد المصطفى أفضل من جميع الأنبياء، ولهذا ورد في القرآن الكريم أن كلُّ نبيٍّ من الأنبياء يأتي يوم القيامة شاهداً على اُمّته ولكنّ نبي الإسلام يأتي شاهداً على جميع هؤلاء الشهداء﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِنْ كُلِّ اُمَّة بِشَهيد وَجِئْنا بِكَ عَلَى هؤُلاءِ شَهيداً)(سورة النساء: الآية 41)

 والحقيقة أن هذه المسألة تزداد غموضاً وعمقاً، فكيف يطلب نبي الإسلام الذي هو أفضل الأنبياء الإلهيين أجراً على عمله في حين أن جميع الأنبياء لم يطلبوا أجراً من أقوامهم؟

 الحقيقة أن الآية الشريفة تحتاج إلى مزيد من البحث والدقّة والتدبّر، رغم أن البعض قد تهاون في ذلك ومرّ عليها مرور الكرام ليمنع من يقظة الضمير ولئلاّ يبتلى بعذاب الوجدان.

 سؤال:ما هو غرض النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من طلب هذا الأجر؟ هل أنه يهدف من طلبه هذا إرضاء مصالحه الشخصية، أو أنه يهدف من وراء ذلك إلى تحقيق غايات مقدسة اُخرى يعود نفعها على المسلمين أنفسهم؟

 الجواب:وفي مقام الجواب على هذا السؤال نرى من الضروري أن نضع آيتين من القرآن الكريم إلى جانب آية المودّة لكي تفسّر الآيات بعضها بعضاً:

 1 ـ نقرأ في الآية الشريفة 47 من سورة سبأ: ﴿ قُلْ ما سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ إنْ أَجْرِيَ إلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهيدٌ)

 هذه الآية الشريفة توضح بعض الإبهام في آية المودّة حيث يتّضح أن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)لم يطلب أجراً من قومه كما هو حال سائر الأنبياء، إلاّ أن مسألة المودّة في القربى في الحقيقة تعود للناس أنفسهم.

 2 ـ ونقرأ في الآية 57 من سورة الفرقان والتي هي في الحقيقة مفسّرة للآية 47 من سورة سبأ حيث تبيّن الفائدة والنفع من المودّة في القربى:﴿ قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّه سَبيلاً)

 فالآية السابقة بيّنت على أن أجر الرسالة لم يكن بدافع المصلحة الشخصية للنبي (صلى الله عليه وآله)، بل يعود النفع فيها للناس، وهذه الآية الشريفة تبيّن أن مسألة أجر الرسالة يستوحي مقوّماته من استمرار الأهداف الإلهية من الرسالة، وفي الحقيقة أن النفع يعود إلى أصل الدين.

 النتيجة هي أن مسألة أجر الرسالة لم يكن يقوم على أساس النفع الشخصي لنبي الإسلام بل كان النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) كسائر الأنبياء في عدم طلبه الأجر الشخصي من الناس، ولكنّ أجر الرسالة المذكور في آية المودّة هو في الحقيقة باعث على استمرار الرسالة ودوام الدين، ومع الإلتفات إلى هذه الحقيقة وهي أن «مودّة القربى» لها هذا الإعتبار الكبير بحيث تمثّل عاملاً مهماً لاستمرار الرسالة، فهل يصحّ التعامل مع هذه الآية الشريفة من موقع عدم الإهتمام بالتدبّر فيها حذراً من انقلاب الآراء والأفكار المسبقة؟ للبحث بقية ستأتي إن شاء الله.

…………………………………………………………………………………………………………………………………..

( صحيفة الصراط المستقيم – العدد 50 – السنة الثانية – بتاريخ 5-7-2011 م – 3 شعبان 1432 هـ.ق)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

9 أعراض للاكتئاب تتعرف عليها لأول مرة.. أغربها منزلك غير النظيف

ارتفعت بشكل ملحوظ معدلات الإصابة بمرض الاكتئاب على مدار العقود الماضية، والغريب أنه بدأ يعرف ...