لا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر!!!

بسم الله الرحمن الرحيم

لا أكتمك أخي القارئ إن الشعور بالمرارة الذي أحسسته وأنا أستمع بالأمس إلى ما حصل في واحدة من غرف البالتوك واسمها (العراق شمس الحرية)

أشعرني بإحباط حقيقي حيال تلك الجوقة من المطبلين والمزمرين الذين اتخذوا من المنافي جحوراً يختبئون بها ومتنفسات ينفسون بها عن ضحالتهم الفكرية ، ولو أنهم قصروا تلك الضحالة على شخوصهم لكانت المصيبة هينة ، ولكن أولئك يحاولون على الطريقة الإيرانية في تصدير ثورتهم المتداعية ، تصدير إسفافهم الذي يصطلحون عليه (ثقافة)!!! وكما يقال ؛ إذا وضح السبب بطل العجب ، والعجب الذي لا يفارق الناظر اليوم في حال العراقيين يجد الصدمة تستحوذ عليه حيال هذا الشعب الذي صيغت حوله الأساطير ؛ حول ثوريته ، وغيرته ، وعلميته ، وثقافته ، وحضارته ، وغيرها مما لو ظفر بها نفر من جياع أفريقيا لهان عليهم جوعهم حيال تلك القيم التي هي لاشك مدعاة لاحترام هكذا أنموذج من الشعوب ، غير أن واقع اليوم يكشف أن تلك القيم التي يستمر ساسة وقادة هذا الشعب المتاجرة بها وتسويقها ينكشف كذبها ، بل وينكشف مضاداتها ؛ فما يسمونه الغيرة هو في واقعه (ضدها) تماما ، وما يسمونه (علمية) فهي جهل يرقص على حبال الثقافة المادية ، وما يسمونه (ثقافة) ليس سوى (سخافة) ، فعندما تصل الشعوب إلى المرحلة التي تجهل فيها الخط الفاصل بين شيء اسمه الأخلاق ، والتعبير عن الرأي حتى يختلط الحالان فلا يستبين الحد الفاصل بينهما ، بل في غالب الأحيان يتلبس سوء الخلق وتردي الأخلاق لباس التعبير عن الرأي والمطالبة بحمايته تحت بنود (النظام الديمقراطي) ، (وحقوق الإنسان) وهذا ما يشعر السامع والقارئ بالأسى على حال أولئك الذين صيرهم واقع الناس المتردي ألسنة ناطقة معبرة عما يسمونه (ثقافة) ، لقد شمل الإسفاف هذا المصطلح الذي كان في غابر الأزمان يعد زينة لمن يتحدث فيه إلى أن وصل اليوم إلى الحد الذي يعد هذا الاصطلاح معبرا عن حالة الإسفاف والانحلال الأخلاقي ، حتى أنهم اليوم راحوا يضيفون إليه من المضافات ما يجعله عاراً وانحطاطا يكشف عن قبح هذه الحضارة ، المسماة حضارة وهي ليست كذلك!!!
إن ما حصل ليلة أمس والناس تستمع إلى إسمين معروفين إعلاميا وهما (أحمد الكاتب ، وعبد الأمير علوان) حيث تحدثا عن قضايا من الخطورة بمكان لا يمكن التعاطي معها بالصورة التي تعاطيا معها يكشف عن مدى ضحالة هذين المسميين ، وليلتفت القارئ الكريم هنا أنا لا أتحدث عن الشخصين بقدر ما أعني المنهج الفكري الذي سوقاه ودلل على بضاعتهم المزجاة ، ولو كان الحال يتعلق بهما لما وزنا على السطور التي تكتب (ما تتركه الممحاة من قذر الكلمة الخاطئة) ولكن الداعي إلى كتابة هذا المقال أخطر من هذين ألا وهو حالة التيه الفكري والنفسي التي يعانيها الناس ، وخاصة العراقيون ، وبالخصوص أولئك الذين أشربوا حب المنافي ، وعبتهم المنافي في قنانيها الملقاة في (تجمعات القمامة) ، لاشك في أن الفكرة التي يحاور تسويقها (أحمد الكاتب) عندما يصرح بجهله بل والأسوء هو يفتخر به أن (المهدي المنتظر) شيء أسطوري ولا وجود له إلا في الخيال الشعبي الساذج ، وإنه مدعاة للتخلف ، ومدعاة للجهل وما إلى ذلك من المصطلحات التي تحكي حال صاحبها الذي يصف فيها هذا (الأمر الخطير والعظيم والجليل) بهذه الصفات التي هي كاشفة عن حقيقة الوعاء الخارجة منه ، فقد ورد عن أمير المؤمنين(ص) أنه قال (المرء مخبوء تحت طي لسانه) ، فمسمى مثل هذا (الكاتب) يحاول تسويق جهله في زمن صارت قضية الإمام المهدي(ص) واقعا يتحرك ويغير ، ويفتح آفاقا ، ويؤسس لحضارة أخلاقية حقيقية تبين حدود الأشياء والمسميات ، ولا تعطي سوء الخلق والأدب اصطلاح (حرية الرأي) ، ولا تمنع حرية الرأي من أن ترى موقعها الحقيقي وتتنفس من خلاله ولا تقمع ـ كما يحصل اليوم في عالم أدعياء الحرية والمتاجرين بالسقوط الأخلاقي ـ من خلال وصمه بالجهل والتخلف ، و… ، و… ، ما إلى ذلك من الأوصاف التي تبين حال الواصف لا الموصوف .
ومن المستغرب حقا أن تلحظ أن الناس الذين وضعوا قواعد الحضارة المادية ، وهم أهلها يستمعون إلى قضية الإمام المهدي(ص) باهتمام بالغ ، ويترقبونها ترقب المخلص ، والذين هم (قراد) على هذه الحضارة و(قمَّلها) يحاولون جاهدين صرف الناس عن تلك القضية العظيمة والخطيرة ، التي هي أمل العالم بأجمعه من دون استثناء ، وبمعرفة حال هذا القراد في انتشار قضية الإمام المهدي(ص) لاشك في أنه سوف لا يجد مستوطنات الظلام التي كان يعتاش منها على الوضر والقذر ، وبإشراق شمس الحقيقة عليه يستبين أنه مخلوق ضار لا مكان له في حضارة تريد البناء والتعمير الأخلاقي ، وهو الذي أدمن العيش على خدعة التطور المادي الذي يقابله الانحلال الأخلاقي الرهيب الذي نشهده اليوم ، ويبدو أن الذين أسسوا للحضارة المادية بدؤوا يدركون أن نهاياتها المفتوحة وغاياتها السرابية هي كاشفة لحقيقة التيه في صحراء المادة ، لأن حياة بلا غاية هي حياة أشبه بالموت أن لم تكن موتا حقيقيا ، ذاك أن الإنسان مجبول على السعي إلى الغاية ، فمسألة البحث عن الغاية هي المكيفة له بحسب نظامه الذي من خلاله يسعى ويدرج في هذا العالم ، والذي جعل تلك المسألة المهمة والضرورية تصل إلى ما وصلت إليه اليوم ، هو ما أنتجه ابتعاد الناس عن العين الحقيقية للمعرفة والشرب من المستنقعات والمياه الآسنة التي اتخذت ألوانا وقناني متكثرة لخداع الناس وتلويث فطرتهم التي فطرهم الله سبحانه عليها ، متجاهلين أن وعد الله حق عندما يقول سبحانه {لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} ، فمهما حاول أولئك الذين يحاولون تسويق بضاعة الحضارة المادية ، وبمساعدة القراد وهم أولئك الجوقة من أمثال (أحمد الكاتب وعبد الأمير علوان) وغيرهم الكثير ممن رضي لنفسه المعاش الطفيلي فإنهم على الرغم من كل جهدهم الذي يبذلونه في الظلام الحالك فالشمس آتية وسيفتضحون ، وسيرون أن أعمالهم التي عملوها بليل الجهل صارت وبالا عليهم ، قال تعالى{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(النور/39) ، وليلحظ القارئ أن وصف الكافر هو لا يخرج عن معناه الذي يتلون بمصاديق كثيرة ، ولكن معناه (الستر والإخفاء) ستر الفطرة التي جعلها بارئها حقيقة عصية على الستر ، وإخفاء ما ينتج عن تلك الفطرة بكل السبل التي منها على سبيل المثال لا الحصر ؛ أن يُجَيَّر عملها باسم (الأنا) ، وأن تلحق فضائح (الأنا) ونواقصها بالفطرة ، وهذا واضح من النهج (الثقافي والفكري) الذي يتبعه أولئك (المثقفون) ، ولذلك من يريد أن يرى النفاق يسير على قدمين فلا يفوته النظر إلى تلك الجوقة من المطبلين بدف (السخافة) والمزمرين بمزمار الجهل الذين يدعون قيمة هم أبعد الناس عنها .
ولذلك نرى أن قراد الثقافة المادية وقمَّلها من أمثال (الكاتب وعلوان ومن رضي مقالتهم) عندما يريدون الهجوم على فكر وعقيدة هي راسخة رسوخ الجبال بل أشد رسوخا يذهبون إلى مزابل التاريخ ليعيدوا إنتاج قمامته ويعملون على تسويقها من خلال استغلال الحال المتردي الذي تعيشه الأمة بسبب الكائنات الطفيلية المتكاثرة على جسدها المنتهب من أمثال هذين ، واستثارة الألم المزيف الذي خبأته تلك المزابل التاريخية بين أكوام القمامة لجيف السلاطين ووعاظهم ، فـ(الكاتب وعلوان) ومثلهما الكثير من أدعياء التثقف ممن حملوا شهادات لا تزن الحبر الذي كتبت به ، هم اليوم الصورة الواقعية لوعاظ السلاطين ، وإن لم يكن السلاطين اليوم كما كانوا بالأمس ؛ عروشا وحشما وخدما وجوقة من الحجّاب ، فغياب السلاطين عن الواقع لا يعني غياب السلطنة ، فمادام هناك انحراف عن المنهج الإلهي في تكييف الحياة فهناك سلطنة ولكنها تتلون بحسب الواقع الذي هي فيه ، فمثلا الديمقراطية اليوم هي الممثل الحقيقي لتلك السلطنة التي اتخذت من الكذب وتغيير الحقائق سبيلا للعمل ، والتزوير في مقالاتها سبيلا للاستقطاب ، والخداع بالترغيب والترهيب سبيلا إلى الاستدراج ، فتغير لباس السلطنة اليوم لا يعني أنها لم تعد موجودة ، كما لا يعني أن لا سلاطين ومن ثم لا وعاظ ، نعم اليوم ليس هناك سلاطين (أفراد) كالذين حكت عنهم الأساطير والحكايات والأحداث التاريخية ، ولكن السلاطين اليوم أحزابا وجماعات وعصابات تتخذ من القراد والحشرات الطفيلية وعاظا مروجين لمشاريعها ، وتكلفهم التطاول على كل الثوابت والقيم ، والعمل بجد واجتهاد لتخريبها في أنفس الناس الناظرين إليها والمتعلقين بها ، بعد أن عجز أولئك السلاطين وقرادهم(وعاظهم) من تخريبها في الواقع ، ومن تلك الثوابت قضية الإمام المهدي(ص) التي هي وعد إلهي واقع لا محالة ، قال تعالى{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(الصف/9) ، فدين الله سبحانه ظاهر لا محالة على دين السلطنة ولو كره أولئك الذين واصلوا الليل بالنهار كي لا تشرق شمس تلك الحقيقة وتفضح مكر الليل والنهار ، قال تعالى{وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(سبأ/33) .
ولو كان الحال يتعلق بأرباب هذا المكر من سلاطين آخر الزمان ووعاظهم لهان ولما كان للحديث فيه من داع ، فأولئك قد اختاروا سبيل السراب ، ولكن المصيبة أن نرى هذا السواد الأعظم من الناس وهم يسيرون خلفهم بجهل عجيب وحالهم يحكي الوصف الذي وصفه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ص) عندما قال : [وآخر قد تسمى عالما وليس به فاقتبس جهائل من جهال ، وأضاليل من ضلال ، ونصب للناس أشراكا من حبائل غرور وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ، وعطف الحق على أهوائه ، يؤمِّن الناس من العظائم ، ويهون كبير الجرائم ، يقول ؛ أقف عند الشبهات وفيها وقع!! ويقول ؛ اعتزل البدع وبينها اضطجع!! فالصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان! لا يعرف باب الهدى فيتبعه ولا باب العمى فيصد عنه ، فذلك ميت الأحياء . فأين تذهبون وأنى تؤفكون؟؟ والأعلام قائمة والآيات واضحة والمنار منصوبة ، فأين يتاه بكم بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم وهم أزمة الحق وأعلام الدين والسنة الصدق؟؟! فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش . أيها الناس خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ؛ إنه يموت من مات منا وليس بميت ويبلى من بلى منا وليس ببال ، فلا تقولوا بما لا تعرفون فان أكثر الحق فيما تنكرون واعذروا من لا حجة لكم عليه ، وأنا هو ، أ لم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر ، وركزت فيكم راية الإيمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام وألبستكم العافية من عدلي وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي؟؟!! فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر ولا يتغلغل إليه الفكر .]( جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي:1/70 – 71) ، وقراءة منصفة لهذه الكلمات التي تشع حكمة ونورا وعلما تكشف لنا حقيقة من يدعون اليوم أنهم علماء ومثقفين وهم ـ واقعا ـ لا يعدون ما وصفهم به أمير المؤمنين(ص) ، وهو الذي قدّم للناس بإذن الله سبحانه ما يقيلهم العثرات ، ويحفظهم مما يسقطهم في الدركات ، وينجيهم من الهلكات ، ولكن صدق رسول الله(ص) وهو يصف حال الناس في آخر الزمان ، حيث قال : [يا سلمان عندها يتكلم الرويبضة ، فقال : وما الرويبضة يا رسول الله فداك أبي وأمي ؟ قال صلى الله عليه وآله : يتكلم في أمر العامة من لم يكن يتكلم ، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى تخور الأرض خورة ، فلا يظن كل قوم إلا أنها خارت في ناحيتهم …](بحار الأنوار للمجلسي:6/309) وها هو اليوم الذي صرنا نرى رويبضات كثيرين يتكلمون ، وهم قبل ما كانوا ليجرؤوا على أن يعرضوا بضاعتهم ليقينهم بكسادها قبال ما كان موجوداً ، على الرغم من أن ما كان موجوداً لا يختلف كثيرا ، ولكن لا أقل فيه شيء من مسحة الإنصاف التي لا يجوز إغفالها ، على عكس ما نرى الآن حيث غاض الإنصاف تماما ، وضاع من بين المتخاصمين خلق كان الناس يتمسكون به ويدلل على جنبة أخلاقية ذاك هو ؛ شرف الخصومة ، والشهادة للخصم إذا ما كانت حجته قوية ، وهذا ما فقده الناس ليلة البارحة في حوار هذين الرويبضتين مع أنصار الإمام المهدي(ص) .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عدنان العرعور: عمليات الموصل هدفها “قتل أهلها”!

قال الداعية الوهابي السوري المقيم في الرياض، عدنان العرعور، “إن أهل الموصل يتعرضون للقتل”، على ...