حديث الثقلين: كتاب الله والعترة – الجزء الثالث

الحديث الآخر المهم الذي يحاول بعض كتاب عصرنا أن يعارض به حديث الثقلين ، أي الوصية بالكتاب والعترة ، هو حديث الثقلين والوصية بالكتاب والسنة ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي ، فحديث الوصية بالكتاب والعترة يدل على وجوب الاقتداء بالكتاب والعترة الأخذ والتمسك بهما ، وهذا الحديث يقول بوجوب الأخذ والتمسك بالكتاب والسنة ، إذن يقع التعارض بين الحديثين.

في الجواب أقول:

1 – إن هذا الخبر مما أعرض عنه البخاري ومسلم ولم يخرجاه في كتابيهما المعروفين بالصحيحين، وكم من حديث صحيح سندا لم يأخذ القوم به معتذرين باتفاق الشيخين على تركه !

2 – انه خبر غير مخرج في شئ من سائر الكتب المعروفة عندهم بالصحاح ، فهو خبر اتفق أرباب الصحاح الستة وغيرهم على تركه !

3 – انه خبر غير مخرج في شئ من المسانيد المعتبرة كمسند أحمد بن حنبل ، وقد نقلوا عن أحمد أن ما ليس في المسند فليس بصحيح !

4 – انه قد صرح غير واحد من رواة هذا الخبر بغرابته ، قال الحاكم : ذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب وقد نص على صحة سند الخطبة المشتملة على الاعتصام بالعترة ، وقال السجزي – كما في كنز العمال – : غريب جدا . ثم لننظر في أسانيده في الكتب التي نقلته:

 سند الخبر في الموطأ:

وعمدة ما في الباب هو رواية مالك في الموطأ ، وهنا بحوث ثلاثة :

الأول : البحث عن الموطأ . قال كاشف الظنون : هو كتاب قديم مبارك ، قصد فيه جمع الصحيح ، لكن إنما جمع الصحيح عنده لا على اصطلاح أهل الحديث ، لأنه يرى المراسيل والبلاغات صحيحة[1]. وقال السيوطي : صرح الخطيب وغيره بان ( الموطأ ) مقدم على كل كتاب من الجوامع والمسانيد ثم قال : فعلى هذا هو بعد صحيح الحاكم[2]. وقال السيوطي : قال ابن حزم في كتاب مراتب الديانة : أحصيت ما في موطأ مالك ، فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفا ، وفيه ثلاثمائة ونيف مرسلا ، وفيه نيف وسبعون حديثا قد ترك مالك نفسه العمل بها ، وفيه أحاديث ضعيفة وهاها ( أي قالوا عنها واهية ) جمهور العلماء[3].

الثاني : ترجمة مالك . ومالك بن أنس مقدوح مجروح من جهات ، نذكر بعضها باختصار:

1 – كونه من الخوارج . قال أبو العباس المبرد في بحث له حول الخوارج : وكان عدة من الفقهاء ينسبون إليهم ، منهم عكرمة مولى ابن عباس ، وكان يقال ذلك في مالك بن أنس ، ويروي الزبيريون : أن مالك بن أنس كان يذكر عثمان وعليا وطلحة والزبير فيقول : والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر[4].

2 – كونه من المدلسين . ذكر ذلك الخطيب البغدادي في أخبار بعض المدلسين[5].

3 – اجتماعه بالأمراء وسكوته عن منكراتهم . فقد قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول : كان ابن أبي ذئب ومالك يحضران عند الأمراء ، فيتكلم ابن أبي ذئب ، يأمرهم وينهاهم ومالك ساكت . قال أبي : ابن أبي ذئب خير من مالك وأفضل[6].

4 – كان يتغنى بالآلات . حتى ذكر ذلك أبو الفرج الأصبهاني في كتابه[7].

5 – تكلم الأئمة فيه . قال الخطيب : عابه جماعة من أهل العلم في زمانه ثم ذكر : ابن أبي ذئب ، وعبد العزيز بن الماجشون ، وابن أبي حازم ، ومحمد بن إسحاق[8]. وقال ابن عبد البر : تكلم ابن أبي ذئب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاء وخشونة كرهت ذكره[9]. وممن تكلم فيه أيضا : إبراهيم بن سعد ، وكان يدعو عليه ، وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم ، وابن أبي يحيى[10].

الثالث : النظر في سند حديثه ، والحديث المذكور لا سند له في الموطأ ، قال السيوطي بشرحه : وصله ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده[11]. قلت : وسنتكلم على هذا السند في رواية ابن عبد البر ، فانتظر .

سند الخبر في سيرة ابن هشام : وأما الخبر في سيرة ابن هشام فلا سند له كذلك ، غير إنه جاء فيها : خطبة الرسول في حجة الوداع . قال ابن إسحاق : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم على حجة . . . وخطب الناس . . .[12]. وابن إسحاق مقدوح ومجروح كذلك عند أكثر العلماء الأعلام ، فقد رمي بالتدليس ، وبالقدر ، وبالتشيع ! وقال غير واحد منهم : سليمان التيمي ، ويحيى القطان ، ووهب بن خالد ، ومالك بن أنس : كذاب. وإن شئت التفصيل فراجع ما ذكره الحافظ ابن سيد الناس – المتوفى سنة 734 هـ‍ في مقدمة سيرته عيون الأثر.

 سند الخبر في المستدرك: وأما الخبر في المستدرك: فالمدار في روايته عن ابن عباس على إسماعيل بن أبي أويس ونكتفي بالتكلم فيه. وهذه كلمات طائفة من أئمة الجرح والتعديل في هذا الرجل وهو ابن أخت مالك ونسيبه، نوردها نقلا عن ابن حجر العسقلاني[13]: قال معاوية بن صالح عن ابن معين : هو وأبوه ضعيفان . وعنه أيضا : ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث . وعنه : مخلط ، يكذب ، ليس بشئ . وقال النسائي : ضعيف . وقال في موضع آخر : غير ثقة . وقال اللالكائي : بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه ، ولعله بان له ما لم يبن لغيره ، لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف . وقال ابن عدي : روى عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد . وقال الدولابي في الضعفاء : سمعت النصر بن سلمة المروزي يقول : ابن أبي أويس كذاب ، كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب . وقال العقيلي في الضعفاء : ثنا أسامة الزفاف بصري ، سمعت يحيى بن معين يقول : ابن أبي أويس لا يسوى فلسين . وقال الدارقطني : لا أختاره في الصحيح . وقال ابن حزم في المحلى : قال أبو الفتح الأزدي : حدثني سيف بن محمد : أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث . قال سلمة بن شبيب : سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول : ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شئ فيما بينهم . * وفي سند روايته عن أبي هريرة : صالح بن موسى الطلحي الكوفي وهذه كلمات أئمتهم فيه نوردها نقلا عن ابن حجر العسقلاني كذلك[14]: قال ابن معين : ليس بشئ . وقال أيضا : صالح وإسحاق ابنا موسى : ليسا بشئ ، ولا يكتب حديثهما . وقال هاشم بن مرثد عن ابن معين : ليس بثقة . وقال الجوزجاني : ضعيف الحديث على حسنه . وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : ضعيف الحديث جدا ، كثير المناكير عن الثقات قلت : يكتب حديثه ؟ قال : ليس يعجبني حديثه . وقال البخاري : منكر الحديث عن سهيل بن أبي صالح . وقال النسائي : لا يكتب حديثه ، ضعيف . وقال في موضع آخر : متروك الحديث . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد ، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب ، وليس يشبه عليه ويخطئ ، وأكثرما يرويه عن جده من الفضائل ما لا يتابعه عليه أحد . وقال الترمذي : تكلم فيه بعض أهل العلم . وقال عبد الله بن أحمد : سألت أبي عنه وقال : ما أدري . كأنه لم يرضه . وقال العقيلي : لا يتابع على شئ من حديثه . وقال ابن حبان : كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات حتى يشهد المستمع لها أنها معمولة أو مقلوبة ، لا يجوز الاحتجاج به . وقال أبو نعيم : متروك ، يروي المناكير .

سند الخبر في سنن البيهقي : وأما سند الخبر في سنن البيهقي ، فقد رواه بإسناده عن ابن عباس وأبي هريرة . أما الأول فمشتمل على ابن أبي أويس وأما الثاني فمشتمل على صالح بن موسى الطلحي وقد عرفتهما . وعلى الجملة ، فقد تقدم الكلام على السندين في رواية الحاكم .

سند الخبر في التمهيد : وأما الخبر في التمهيد لابن عبد البر ، ففي سنده غير واحد من المجروحين ، ولكن يكفي النظر في ترجمة كثير بن عبد الله – الذي وصل ابن عبد البر الخبر من حديثه – كما ذكر ابن حجر العسقلاني[15]: قال أبو طالب عن أحمد : منكر الحديث ، ليس بشئ . وقال عبد الله بن أحمد : ضرب أبي على حديث كثير بن عبد الله في المسند ولم يحدثنا عنه . وقال أبو خيثمة : قال لي احمد : لا تحدث عنه شيئا . وقال الدوري عن ابن معين : لجده صحبة ، وهو ضعيف الحديث . وقال مرة : ليس بشئ . وكذا قال الدارمي عنه . وقال الاجري : سئل أبو داود عنه فقال : أحد الكذابين . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبا زرعة عنه فقال : واهي الحديث . وقال أبو حاتم : ليس بالمتين . وقال النسائي في موضع آخر : ليس بثقة . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه . وقال أبو نعيم : ضعفه علي بن المديني . وقال ابن سعد : كان قليل الحديث ، يستضعف . وقال ابن حجر : ضعفه الساجي . وقال ابن عبد البر : ضعيف ، بل ذكر أنه مجمع على ضعفه . فهذه كلمات في جرح الرجل . * بل يكفي منها قول ابن عبد البر : مجمع على ضعفه . * مضافا إلى أنه يرويه عن أبيه عن جده ، وقد قال ابن حبان : روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية إلا على جهة التعجب . وقال ابن السكن : يروي عن أبيه عن جده أحاديث فيها نظر . وقال الحاكم : حدث عن أبيه عن جده نسخة فيها مناكير . سند الخبر في الإلماع : وأما سند الخبر في الإلماع ففيه غير واحد من الضعفاء والمجروحين فان شعيب بن إبراهيم راوية كتب سيف بن عمر جرحه ابن عدي وقال: ليس بالمعروف[16]. وأبان بن إسحاق الأسدي قال الأزدي : متروك الحديث[17]، والصباح بن محمد الأحمسي لم يرو عنه إلا الترمذي ، فقد روى عنه مرة عن ابن مسعود حديثا واستغربه . وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات ، وقال العقيلي : حديثه وهم ، ويرفع الموقوف[18]. لكن يكفي وجود سيف بن عمر في إسناده ، فإنه – كما ذكر ابن حجر العسقلاني[19] – : قال ابن معين : ضعيف الحديث . وقال أبو حاتم : متروك الحديث . وقال أبو داود : ليس بشئ . وقال النسائي : ضعيف . وقال الدارقطني : ضعيف . وقال ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة ، وعامتها منكرة لم يتابع عليها . وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الأثبات . قال : وقالوا : إنه كان يضع الحديث . وقال ابن حجر : بقية كلام ابن حبان : أتهم بالزندقة . وقال البرقاني عن الدارقطني : متروك . وقال الحاكم : اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط .

سند الخبر في الجامع الصغير : وأما الخبر في الجامع الصغير فهو عن المستدرك للحاكم ، وقد تكلمنا عليه بالتفصيل فلا نعيد .

سند الخبر في كنز العمال: وأما المتقي الهندي فأورده عن الحاكم وأبي بكر الشافعي عن أبي هريرة . وقد عرفت حال الحديث عن أبي هريرة . وكذا أورده عن الحاكم عن ابن عباس . وقد عرفت حاله . وأورده عن البيهقي عن ابن عباس . وقد عرفت حاله . وأورده عن الإبانة عن أبي هريرة . وقد نقل هو عن صاحب الإبانة التصريح بأنه غريب جدا ، على أنه عن أبي هريرة .


[1] – كشف الظنون 2 / 1907 .

[2] – تدريب الراوي 1 / 83 .

[3] – تنوير الحوالك 1 / 9 .

[4] – الكامل في الأدب 1 / 159 .

[5] – الكفاية في علم الرواية : 365 .

[6] – العلل ومعرفة الرجال 1 / 179 .

[7] – الأغاني 2 / 75 .

[8] – تاريخ بغداد 10 / 224 .

[9] – جامع بيان العلم 2 / 157 .

[10] – جامع بيان العلم 2 / 158 .

[11] – ) تنوير الحوالك 2 / 208 .

[12] – السيرة النبوية 4 / 603 .

[13] – تهذيب التهذيب 1 / 271

[14] – تهذيب التهذيب 4 / 354 .

[15] – ) تهذيب التهذيب 8 / 377 .

[16] – لسان الميزان 3 / 145 .

[17] – تهذيب التهذيب 1 / 81 .

[18] – تهذيب التهذيب 4 / 358 .

[19] – ) تهذيب التهذيب 4 / 259 .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق

على جمعة: سماع الموسيقى حلال ومن يحرمها فلنفسه.. ونعيش دين النبى لا زمانه

قال الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق، إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر له شروط ...