الشورى في المـــــيزان بيان موجز ونقد لنظرية الشورى في الحكم الإسلامي – الحلقة السابعة

أولاً : إنّ أبناء العامة اختلفوا في المراد من أولي الأمر، فقد نقل العيني أحد عشر قولاً، قال: قوله : ( وأولي الأمر منكم ) ، في تفسيره أحد عشر قولاً : الأول : الأمراء ، قاله ابن عباس وأبو هريرة وابن زيد والسدي . الثاني : أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ، قاله عكرمة . الثالث : جميع الصحابة ، قال مجاهد . الرابع : الخلفاء الأربعة قاله أبو بكر الوراق فيما قاله الثعلبي . الخامس : المهاجرون والأنصار ، قاله عطاء . السادس : الصحابة والتابعون . السابع : أرباب العقل الذين يسوسون أمر الناس ، قاله ابن كيسان . الثامن : العلماء والفقهاء ، قاله جابر بن عبد الله والحسن وأبو العالية. التاسع : أمراء السرايا . قاله ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي . العاشر : أهل العلم والقرآن ، قاله مجاهد واختاره مالك . الحادي عشر : عام في كل من ولي أمر شيء ، وهو الصحيح ،..([1]).

ولا مرجح لقول منها على الآخر، مضافاً إلى أنها مجرد تفاسير لم تصدر من الرسول (ص) الواجب الاتباع، بل هي تفاسير لأشخاص لم يفرض الله علينا طاعتهم.

ثانياً: إن كيفية الشورى التي قرّرها القرآن في الأمور الكلية التي تخص جميع المسلمين هي كيفية واحدة ( وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل..) والإتيان بكيفية أخرى يستلزم الدليل الشرعي. والاستدلال بآية (وأمرهم شورى بينهم) على كيفية ثانية من الشورى غير تامة.

إذ يرد عليها بأن هذه الآية نزلت على رسول الله (ص) بمعنى أنها نزلت وهو (ص) حي بين ظهراني المسلمين، والعقل والشرع يمنعان أن يتشاور المسلمون على أمر كلي يخص المسلمين دون وجود الرسول (ص) بينهم ورجوعهم إليه، فهذا قبيح وبعيد جداً، مما يدل أنه لا بد أن يكون معهم وأن الضمير (هم) في (وأمرهم) شامل لرسول الله (ص).

وعليه فيكون قوله تعالى: (وشاروهم في الأمر وإذا عزمت فتوكل..) شارحاً ومفصلاً لقوله سبحانه:( وأمرهم شورى بينهم).

فنصل إلى نتيجة محصورة في ما لو التزمنا بأنّ آية (وشاورهم في الأمر..) مختصة برسول الله ص دون أولي الأمر، لأن الشورى عندئذِ لا تتم إلاّ بوجود رسول الله (ص) فإذا مات فلا شورى بسبب عدم وجود ركن أساسي فيها وهو رسول الله (ص)، أما إذا لم نلتزم بانحصار الآية في رسول الله (ص) وحده وقلنا بأنها تتعدى إلى أولي الأمر، فتكون الشورى موجودة وشرعية بشرط وجود ولي الأمر فيها، ويكون لولي الأمر ما للرسول (ص) من حقوق في الشورى لأنه يحل محله، فيكون معنى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ أي لا يعقدون أمراً دون مشاورة الرسول (ص) وأولي الأمر فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم، كما قال تعالى ﴿ ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم..﴾.

وسواء قلنا بأنّ آية الشورى مختصة بحياة الرسول (ص) أم لا، تقع نظرية الشورى في تنصيب الخليفة بمأزق ومحذور يستلزم بطلانها.

فعلى الرأي الأول: وهو أن آية ﴿ وشاورهم في الأمر .. ﴾ مختصة برسول الله (ص) فمن المعلوم أن الشورى التي انعقدت لتنصيب الخليفة إنما كانت بعد وفاة رسول الله (ص) فبالتالي هي شورى غير شرعية بحكم الإسلام وبمنظور الرأي القرآني، وكل ما ينتج عنها غير شرعي، ومنها تنصيب الخليفة.

وعلى الرأي الثاني، أي أن آية ﴿ وشاورهم..﴾ منعقدة برسول الله (ص) أو من يحل محله وهو ولي الأمر، فإنّ الشورى الشرعية لا تنعقد إلاّ بولي الأمر وولي الأمر لا ينصب إلاّ بالشورى الشرعية فهذا دور والدور باطل، إذ لا يمكن انعقاد الشورى الشرعية إلاّ بعد وجود ولي الأمر ولا يمكن أن يوجد ولي الأمر إلاّ بعد انعقاد الشورى الشرعية، وهذا الأمر متوقف على نفسه فلا يمكن انعقاد الشورى الشرعية أبداً.

اللهم إلاّ أن يقال أن هناك ولي أمر معين من قبل رسول الله (ص) سبق وجوده الشورى، وهذا تسليم بنظرية النص التي تدعيها مدرسة أهل البيت (ع).

ومما سبق يتضح أن نظرية الشورى تقع بين محذورين:

الأول: إمّا أن الشورى انعقدت دون رسول الله (ص) وولي الأمر، وهذه شورى باطلة غير شرعية، والقول الذي يقول بإمكانية الشورى من دون الرسول (ص) وأولي الأمر بحاجة إلى دليل شرعي ولا دليل عليها.

الثاني: وإمّا أن الشورى تمت بوجود ولي أمر يرجعون إليه، وهذا يتصور على وجوه:

1– إما أن يكون ولي الأمر هذا نصب نفسه بنفسه لولاية أمر المسلمين، فهذا سلوك لا مسوغ له شرعاً، وهو مصادرة غير مشروعة لحقوق المسلمين، فكيف تجب طاعته شرعاً على جماعة المسلمين إذا عزم على أمر بعد الشورى؟.

2ـ وإما أن تكون هناك ثلة صغيرة ولته أمر المسلمين فنقول هل لهؤلاء الصلاحية في التولية ؟ وبأي طريقة ولو الخليفة ، إن كان بالشورى فهو ما نريد تحقيقه، فهل التولية تكون بالشورى أم بالنص ؟ وإن ولوه بالنص فهذا هو الإقرار بما تتبناه مدرسة أهل البيت (ع)، لكن هنا نبحث عن النص الشرعي الذي يدل على تنصيب المنصب.

3ـ وإما أن يكون الله ورسوله نص عليه ونصبه لولاية الأمر فلا حاجة حينها للشورى إذ لا يمكن مخالفة الله ورسوله، وهذا الرأي عينه نظرية النص فانتفت الشورى، وانتفت بيعة الفلتات أيضاً.

اللهم إلا أن يدعى أن الله تعالى ورسوله (ص) نصّا على خلافة الأول !!

وهذا ما لم يدَّعه أبو بكر نفسه إذ لو كان لاحتج به على الأنصار في سقيفة بني ساعدة.


[1]– عمدة القاري: ج 18/ص 176.

…………………………………………………………………………………………

( صحيفة الصراط المستقيم – العدد 27 – السنة الثانية – بتاريخ 25-1-2011 م – 20 صفر 1432 هـ.ق)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق

على جمعة: سماع الموسيقى حلال ومن يحرمها فلنفسه.. ونعيش دين النبى لا زمانه

قال الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق، إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر له شروط ...