النصوص التي استدل بها المسيحيون على عقيدة التثليث -2-

استدل المسيحيون على عقيدة التثليث بالنصوص التي ورد فيها لفظ الابن أو ابن اللّـه، وهي كثيرة أذكر بعضاً منها: (لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب)[ يوحنا5: 23] ، ومثله: (20 لأن الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعلمه . وسيريه أعمالا أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم . 21 لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي كذلك الابن أيضا يحيي من يشاء . 22 لأن الآب لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة للابن . 23 لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب . من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله )[ يوحنا:5].

ومثله: (فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً: دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن وروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر. آمين)[ متى28: 18-20]، وكذلك: ( 16 فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء . وإذا السماوات قد انفتحت له فرأى روح اللّـه نازلا مثل حمامة وآتيا عليه . 17 وصوت من السماوات قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت)[ متى: 3]. وكذلك: ( 1 تكلم يسوع بهذا و رفع عينيه نحو السماء و قال أيها الآب قد أتت الساعة مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضا* 2  إذ أعطيته سلطانا على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته* 3و هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك و يسوع المسيح الذي أرسلته* 4أنا مجدتك على الأرض العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته* 5و الآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم )[ يوحنا : 17].

وللرد على الاستدلال بهذه النصوص لابد من التذكير أولاً أن محل النزاع بيننا وبين المسيحيين يتحدد برفضنا القاطع لقول المسيحيين بإلوهية عيسى إلوهية مطلقة، ومن الواضح أن هذه النصوص لا تسعف زعم المسيحيين بالإلوهية المطلقة.

والآن يمكننا أن ندفع بنصوص كثيرة وردت في العهدين القديم والجديد على حد سواء تنسب أبوة اللّـه جل وعلا لغير عيسى، فعلى سبيل المثال جاء في سفر الأيام الأول الإصحاح السابع عشر: (11و يكون متى كملت أيامك لتذهب مع آبائك إني أقيم بعدك نسلك الذي يكون من بنيك و اثبت مملكته* 12  هو يبني لي بيتاً و أنا اثبت كرسيه إلى الأبد* 13  أنا أكون له أبا و هو يكون لي ابنا و لا انزع رحمتي عنه كما نزعتها عن الذي كان قبلك )[ سفر الأيام الأول:17]. وفي متى ولوقا: ( طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء اللّـه يدعون )[ متى:5/ 9, لوقا:20: 36]. وكذلك: ( فصلوا انتم هكذا أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك* 10  ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض* 11  خبزنا كفافنا أعطنا اليوم* 12  و اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا* 13  و لا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير لان لك الملك و القوة و المجد إلى الأبد آمين* 14  فانه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي )[ متى:6 /9 – 14]. وجاء في سفر التكوين: ( وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض ، وولد لهم بنات أن أبناء اللّـه رأوا بنات الناس أنهن حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا )[ التكوين:6/ 1- 2].

وفي سفر الخروج: ( 22فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ. 23فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي، فَأَبَيْتَ أَنْ تُطْلِقَهُ. هَا أَنَا أَقْتُلُ ابْنَكَ الْبِكْرَ)[ الخروج:4].

وفي المزامير: (هو يدعوني: أنت أبي وإلهي وصخرة خلاصي، وأنا أيضاً أجعله بكراً، فوق ملوك الأرض علياً)[ المزمور: 89/26-27]. ولئن قيل في المسيح أنه ابن اللّـه العلي، فكذلك سائر بني إسرائيل: (وبنو العلي كلكم)[ المزمور: 82/6]. وتلاميذ عيسى(ع) أيضاً هم بنو العلي، ففي لوقا: ( أحبوا أعداءكم … فيكون أجركم عظيماً، وتكونوا بني العلي)[ لوقا: 6/35].

بل كل من يؤمن يكون مولوداً من اللّـه: (كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح، فقد ولد من اللّـه)[ يوحنا: 1- 5/1]. وكل من يصنع البر يكون مولود من اللّـه:  (من يصنع البر مولود منه)[ يوحنا: 1- 2/29].

وورد أيضاً: (آدم ابن اللّـه)[ لوقا:3- 38]، ومثله داود الذي قيل له: ( أنت ابني، أنا اليوم ولدتك )[ المزمور:2/7]، وسليمان أيضاً ابن اللّـه: (هو يبني لي بيتاً … أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً)[ الأيام:1- 17/12-13]، والملائكةَ (أبناء اللّـه) (مثلَ الملائكةِ وهم أبناء اللّـه )[ لوقا:20- 36]، والحواريون أيضاً: ( قولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم )[ يوحنا: 20-17]، ( فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل)[ متى:5-48]، بل كل الناس، أو المسيحيين على الأقل: (فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك..)[ متى: 6-9]. وتوجد نصوص كثيرة أخرى لسنا بصدد استقصائها. إذن ما الذي يجعل ورود تعبير البنوة مقترناً بعيسى(ع) دالاً على إلوهيته، وما الذي يمنع من القول بإلوهية غيره إذا ما اقترن به التعبير بالبنوة ذاته ؟ إن أي شيء يمكن أن يتقدم به المسيحيون على أنه مائز يرشح عيسى لنيل مرتبة الإلوهية، ويمنعها عن غيره كفيل بإسقاط استدلالهم بهذه النصوص، لأنه في هذه الحالة لن يكون نفس النصوص هذه، ونفس التعبير بالبنوة المقترن فيها بعيسى(ع) هو الدال على إلوهيته وإنما ذلك المائز المفترض، إذن ليتقدموا بذلك المائز المفترض لننظر فيه.

والحق إن عبارة ( ابن اللّـه ) يمكن أن نجد لها دلالات كثيرة غير ما يزعمه المسيحيون، فمن الممكن أن نقول إنها لا تعني شيئاً سوى المديح والإشادة، أي إنها تعبير مجازي، فكما إننا نسمي الشرير أو الرجل غير الصالح بأنه ابن إبليس، أو ابن الأفعى كما ورد في إنجيل متى: ( يا أولاد الأفاعي ، كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار )[ متى:12- 34]، وكذلك في يوحنا: ( أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا . ذاك كان قتالا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق . متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب )[ يوحنا:8/44]. أقول كذلك يمكن أن نسمي الصالح ابن اللّـه. ورد في متى: (45وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم و صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم و يطردونكم * 44لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات فانه يشرق شمسه على الأشرار و الصالحين و يمطر على الأبرار و الظالمين* 46  لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم أليس العشارون أيضا يفعلون ذلك* 47وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون أليس العشارون أيضاً يفعلون هكذا* 48  فكونوا انتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل )[ متى:5].

من هذا النص يتبين أن ابن اللّـه يراد منه الإنسان البار الصالح. ويؤكده ما ورد في إنجيل مرقس: ( ولما رأى قائد المائة الواقف مقابلة أنه صرخ هكذا وأسلم الروح ، قال : حقاً كان هذا الإنسان ابن اللّـه)[مرقس:15/39]. هنا نقل مرقس كلمة قائد المائة بتعبير ( ابن اللّـه ) بينما نقلها لوقا بكلمة ( بار )، الأمر الذي يفيد تساوي الكلمتين أو التعبيرين: ( بالحقيقة كان هذا الإنسان باراً )[ لوقا: 23/ 27]. أم إن المسيحيين يقولون إن خطأ ما قد وقع فيه لوقا؟ وعندها عليهم أن يعذرونا إذا ما قلنا لهم: إذن ابحثوا لكم عن أدلة أخرى فنصوصكم لا يسعنا الوثوق بها على الإطلاق.

بل إن عيسى(ع) يقول إن معنى البنوة هو طاعة اللّـه وعمل أعماله: ( إن قال: آلهةً لأولئك الذين صارت إليهم كلمة اللّـه .. فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن اللّـه؟ إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي..)[ يوحنا:10-37].

فقوله: (إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي) تفسير لمعنى قوله ( ابن اللّـه )، فهو ابن اللّـه لأنه يعمل أعمال اللّـه، أي يطيع أوامره وينتهي عن نواهيه. أي إنه يقول لهم: كما وصفكم كتابكم بأنكم آلهة مجازاً ؛ فأنا كذلك ابن اللّـه مجازاً، سواء بسواء. ومثله: (32فَجَاءَتْ حِينَئِذٍ إِخْوَتُهُ وَأُمُّهُ وَوَقَفُوا خَارِجًا وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَدْعُونَهُ. 31وَكَانَ الْجَمْعُ جَالِسًا حَوْلَهُ، فَقَالُوا لَهُ: هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ خَارِجًا يَطْلُبُونَكَ. 33فَأَجَابَهُمْ قِائِلاً:«مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي؟ 34ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى الْجَالِسِينَ وَقَالَ: هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي، 35لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللّـه هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي )[ مرقس:3]. ويمكن أيضاً أن نحمل تعبير البنوة والأبوة على دلالة أخرى هي إن الناس جميعاً هم عيال اللّـه أو ابناؤه، بمعنى إنه تعالى يرعاهم ويرزقهم، ويربيهم وينعم عليهم كما يفعل الوالد لولده. وهذا تدل عليه نصوص كثيرة من قبيل ما ورد في متى: ( أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه)[ متى: 6-11]، وفي رسالة يوحنا الأولى: ( انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد اللّـه)[ يوحنا: 1- 3-1]. ورد في سفر التثنيه: (أليس هو أباك ومقتنيك. هو عملك وأنشأك)[ التثنيه:32- 6]، أو كما قال النبي أشعياء: (يا رب أنت أبونا)[ أشعيا:64- 8]. وفي سفر هوشع: (لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي. 2كُلَّ مَا دَعَوْهُمْ ذَهَبُوا مِنْ أَمَامِهِمْ يَذْبَحُونَ لِلْبَعْلِيمِ، وَيُبَخِّرُونَ لِلتَّمَاثِيلِ الْمَنْحُوتَةِ. 3وَأَنَا دَرَّجْتُ أَفْرَايِمَ مُمْسِكًا إِيَّاهُمْ بِأَذْرُعِهِمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوا أَنِّي شَفَيْتُهُمْ. 4كُنْتُ أَجْذِبُهُمْ بِحِبَالِ الْبَشَرِ، بِرُبُطِ الْمَحَبَّةِ، وَكُنْتُ لَهُمْ كَمَنْ يَرْفَعُ النِّيرَ عَنْ أَعْنَاقِهِمْ، وَمَدَدْتُ إِلَيْهِ مُطْعِمًا إِيَّاهُ )[ هوشع: 11].

 وفي إشعياء: (15هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ)[ أشعياء:49- 15]. واستعمال كلمة الابن بهذا المعنى يبدو معروفاً لليهود فقد قالوا لعيسى(ع): ( … إننا لم نولد من زنا. لنا أب واحد، وهو اللّـه )[ يوحنا: 8-41]. للبحث بقية ستأتي بعونه تعالى.

 (صحيفة الصراط المستقيم ـ العدد 4 ـ الصادر بتاريخ 6 رمضان 1431 هـ الموافق ل 17/08/2010 م)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عدنان العرعور: عمليات الموصل هدفها “قتل أهلها”!

قال الداعية الوهابي السوري المقيم في الرياض، عدنان العرعور، “إن أهل الموصل يتعرضون للقتل”، على ...