الوصية والوصي أحمد – الحلقة الثامنة

( وصية السماء ووصية الرسول (ص) )

ربما يعترض معترض بالروايات التي تنص على نزول وصية من السماء  مختومة لكل إمام اسمه  ويحاول أن يجعلها معارضة للوصية التي أوصى بها الرسول (ص) في ليلة وفاته لعلي بن أبي طالب (ع)  وسيتضح أنه لا معارضة بين الروايات  فهناك وصية نزلت من السماء لكل إمام وهذه لا يطلع عليها أحد سوى الأئمة (ع)  وهناك الوصية التي أوصى بها رسول الله (ص)  وكتبها الإمام علي بيده  وأشهد عليها سلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد . وسأذكر كـِـلا الروايات :-

عن أبي عبد الله (ع) قال : ( الوصية نزلت من السماء على رسول الله (ص) كتابا ً مختوماً ولم ينزل على رسول الله (ص) كتاب مختوم إلا الوصية  فقال جبرئيل (ع) : يا محمد هذه وصيتك في أمتك إلى أهل بيتك .

فقال رسول الله (ص) : أي أهل بيتي  ياجبرئيل فقال : نجيب الله منهم وذريته ليورثك في علم النبوة قبل إبراهيم  وكان عليها خواتيم ففتح علي (ع) الخاتم الأول ومضى لما أمر فيه  ثم فتح الحسن (ع) الخاتم الثاني ومضى لما أمر فيه ثم فتح الحسين (ع) الخاتم الثالث فوجد فيه : أن قاتل واقتل وتقتل وأخرج بقوم للشهادة  لا شهادة لهم إلا معك  ففعل  ثم دفعها إلى علي بن الحسين (ع) ومضى  ففتح علي بن الحسين الخاتم الرابع فوجد فيه : أن أطرق وأصمت لما حجب العلم  ثم دفعها إلى محمد بن علي (ع) ففتح الخاتم الخامس فوجد فيه : أن فسر كتاب الله تعالى وصدق أباك وورّث إبنك العلم واصطنع الأمة  وقل الحق في الخوف والأمن ولا تخش إلا الله ففعل  ثم دفعها إلى الذي يليه  فقال معاذ بن كثير : فقلت له : وأنت هو  فقال : ما بك في هذا إلا أن تذهب ـ يا معاذ ـ فترويه عني  نعم  أنا هو  حتى عدد عليّ اثنا عشر اسماً ًثم سكت فقلت : ثم من  فقال حسبك ) غيبة النعماني ص60 .

وهنا اشارة مهمة جداً ًوردت في ذيل هذه الرواية المتقدمة وهي الإشارة إلى المهديين من ذرية الإمام المهدي (ع)  وهي أن المستمع عندما عدد عليه الإمام (ع) اثنا عشر إماماً أي إلى الإمام المهدي (ع)  كان ينتظر من الإمام أن يسمي له الذي بعد الإمام (ع)  وهذا يدل على أن السائل كان في ذهنه أن الأئمة أكثر من اثني عشر إمام  أو ان هناك خلفاء بعد الإمام المهدي (ع) ثم إن الإمام الصادق (ع) لم يقل له بأن الأئمة هؤلاء الأثني عشر فقط  بل اكتفى بقوله : (حسبك)  ومعناه كفاك  أو كفى  أي أن الإمام الصادق (ع) قد تكتم على أسماء الأوصياء بعد القائم (ع)  وقال للسائل إلى هنا كفاك  ولم يقل له  لا أحد بعد القائم (ع) .

وهذا إشارة إلى أن المهديين مذكورين في الوصية التي نزلت من السماء  وليس في وصية رسول الله فحسب والظاهر أن المهديين (ع) كلهم داخلين ضمن الخاتم الخاص بالإمام المهدي (ع) لأن الخواتيم النازلة من السماء  اثنا عشر خاتماً. وذلك لأن المهديين هم مشاركون للإمام المهدي (ع)  في حكم دولة العدل الإلهي  بعد مضي الإمام المهدي (ع)  وهم الذين سيحكمون الدولة التي أسسها الإمام المهدي (ع)  ولذلك فقد شاركوه حتى بالصفة  فهو المهدي وهم المهديون  وهو القائم وهم القوام من بعده  كما وصفتهم الروايات فالإمام المهدي (ع) وذريته  يعتبرون عدة حكام في مرحلة واحدة لدولة واحدة  وهي دولة الإمام المهدي (ع)  والتي ستستمر بقيادة ذريته حتى تكون الرجعة فيخرج الإمام الحسين (ع) على آخر المهديين عليهم السلام . ولذلك كانوا ضمن خاتم الإمام المهدي (ع) .

وعن أبي عبد الله (ع) قال : دفع رسول الله (ص) إلى علي (ع) صحيفة مختومة باثني عشر خاتماً وقال له : فض الأول وأعمل به  وادفع إلى الحسن (ع) يفض الثاني ويعمل به ويدفعها إلى الحسين (ع) يفض الثالث ويعمل بما فيه  ثم إلى واحد واحد من ولد الحسين (ع) ) غيبة النعماني ص61 .

 وعن أبي عبد الله (ع) قال : ( إن الله جل أسمه أنزل من السماء إلى كل إمام عهده وما يعمل به وعليه خاتم فيفضه ويعمل بما فيه ) غيبة النعماني ص62 .

 وسيتبيّن لنا الفرق بين الوصية التي نزلت من السماء  وبين الوصية التي أملاها الرسول (ص) على الإمام علي (ع)  ليلة الوفاة  من خلال محاورة الإمام موسى الكاظم مع أبيه الإمام الصادق (ع)  في الرواية الآتيـــة :-

عن الإمام موسى بن جعفر (ع) قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أليس كان أمير المؤمنين كاتب الوصية ورسول الله (ص) المملي عليه وجبرئيل والملائكة المقربون عليهم السلام الشهود؟؟ قال : فأطرق طويلاً ثم قال : يا أبا الحسن قد كان ما قلت  ولكن حين نزل برسول الله (ص) الأمر نزلت الوصية من عند الله كتابا ًمسجلا ً  نزل بها جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة فقال جبرائيل: يا محمد مـُر بإخراج من عندك إلا وصيك ليقبضها منّا وتشهدنا بدفعك إياها إليه ضامناً لها ـ يعني علياً (ع)- وفاطمة فيما بين الستر والباب  … ( الحديث). الكافي 1 /311.

والظاهر أن الإمام الكاظم (ع) أراد بسؤاله لأبيه الصادق (ع)  أن يبيّن الفرق بين الوصيتين  حتى لا يكون هناك تعارض بينهما وحتى لا يتمسك أحد بإحدى الوصيتين ويترك الأخرى والوصية التي نزلت من السماء خاصة بالأئمة (ع) وأما الوصية التي أملاها الرسول (ص) لعلـي (ع)  فهي التي أراد أن يعلنها للأمة ولكن أعترض عليها عمر ثم أملاها الرسول (ص) بعد ذلك للإمام علي (ع)  وأشهد عليها سلمان وأبا ذر والمقداد .

والوصية النازلة من السماء هي نفس مضمون الوصية التي أوصى بها الرسول (ص) للإمام علي (ع) وهذا ما صرح به الإمام علي (ع) نفسه في الرواية الآتية:-

 عن أمير المؤمنين (ع) قال : ( دعاني رسول الله (ص) عند موته  وأخرج من كان عنده في البيت غيري  والبيت فيه جبرئيل والملائكة أسمع الحس ولا أرى شيئاًً  فأخذ رسول الله (ص) كتاب الوصية من يد جبرائيل فدفعها إليّ وأمرني أن أفضها  ففعلت وأمرني أن أقرأها فقرأتها فقال إن جبرائيل عندي أتاني بها الساعة من عند ربي فقرأتها فإذا فيها كل ما كان رسول الله (ص) يوصي به شيئاً شيئاً ما تغادر حرفاً ) . مكاتيب الرسول 2/93 .

………………………………………………………………………………………………………………

( صحيفة الصراط المستقيم – العدد 36 – السنة الثانية – بتاريخ 29-3-2011 م – 23 ربيع الثاني 1432 هـ.ق)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

9 أعراض للاكتئاب تتعرف عليها لأول مرة.. أغربها منزلك غير النظيف

ارتفعت بشكل ملحوظ معدلات الإصابة بمرض الاكتئاب على مدار العقود الماضية، والغريب أنه بدأ يعرف ...