أصل الاجتهاد عند العامة والشيعة ـ الحلقة الثالثة

استدلوا على الاجتهاد والتقليد بورود هذه اللفظ في بعض المرويات .

فهنا نورد مناقشتان :-

المناقشه الاولى: ان المرويات التي جاء بها لفظ التقليد ورد فيها بمعناه اللغوي لا الاصطلاحي المتاخر بل احيل في احدهما الى تقليد المعصوم عليه السلام وهما حديثان .

الحديث الاول: ما ورد في وسائل الشيعه للحر العاملي رض: (فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه) .

والاستدلال بهذا الحديث باطل من جهات متعدده .

الجهه الاولى: ان هذه الروايه ضعيفه ومرسله باجماع الشيعه فلا يجوز الاستدلال بها عند الاصولين .

الجهه الثانيه: لو تنزلنا جدلا على انها قوية السند فهي بعيده عن مرادهم فهي تدل على جواز اخذ قول المعصوم وليس قبول الراي والاجتهاد وهذا ما بينه علماؤنا الاقدمون كالحر العاملي رض قال: التقليد المرخص فيه هنا انما هو قبول الروايه لا قبول الراي والاجتهاد والظن وهذا واضح لا خلاف فيه على ان هذا الحديث لا يجوز عند الاصوليين الاعتماد عليه في الاصول والفروع لأنه خبر واحد مرسل ظني السند والمتن ضعيف عندهم ومعارضه متواتر قطعي السند والدلاله ومع ذلك يحتمل الحمل على التقيه .

الجهه الثالثه: انها معارضه بروايات متواتره وصحيحه تمنع عن الافتاء بالراي والاجتهاد ومن البديهي انه عند تعارض اخبار متواتره مع خبر احاد ضعيف تقدم الاخبار المتواتره ويؤول الخبر الضعيف ليوافقها او يرد علمه الى الله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم والائمه عليهم السلام .

الجهه الرابعه: مع غض النظر عن كل شيء فان الروايه ليس لها نص او ظهور في وجوب التقليد بل ورد فيها <فللعوام ان يقلدوه> وهذه العباره ظاهره في التخيير لا في الوجوب فكيف يصفونها بانها تشير الى وجوب التقليد .

الجهه الخامسه: ان النص مخالف للمراد فيبطل به الاحتجاج لانه عليه السلام ذكر اربعة صفات في الفقيه كشرط لتقليده من قبل العوام وهي غير معلومه للعوام الا اذا امتلكوا قواعد اساسيه في الفقه عموما –فقه الدين- فلا لفظ العوام ولا لفظ الفقهاء ولا لفظ التقليد ينطبق على المفهوم منها في هذه العصور بعد تأسيس الاصول ولذلك قال عليه السلام لا يكون ذلك إلا  بعض فقهاء الشيعة لا كلهم ففيه تصريح بان تقليد بعضهم لا يجوز ومعناه ان هناك نوعين من الفقهاء وهذا ما قاله الامام عليه السلام .

ويتوجب لتطبيق هذا النص ان يعطي الاصوليون بيانات واضحه للتفريق بين الفقهاء من الشيعه بناء على الشروط الاربعه المذكوره في النص وهي صون النفس وحفظ الدين ومخالفة الهوى وطاعة امر المولى .

وبالطبع هناك فقيه يعمل بالعقل وفقيه حافظ للحكم الشرعي وناقل له للمكلف كما هو فالاول ينقل الحكم بلفظ من عنده وبقواعد من عقله وبفهم لغوي راجع لعلماء اللغه كما تقدم انه يشترط في الفقيه ان يكون مطلعا على اللغه والنحو اما الاخر فهو مجرد ناقل كما لو كان المعصوم عليه السلام نفسه موجود ويجيب بالروايه على المسائل فهناك بون شاسع بينهما وفرق جلي واضح كالفرق بين طالب الرئاسه وطالب الاجر ورضا الله جل وعلا، بين طالب الدنيا وطالب الاخره .

ولكن مع شديد الاسف ان الكثير من الاصوليين قد ساق النص للاحتجاج به غير آبه بآخره وبالشروط بل افترض مسبقا ان الشروط متحققه في المجتهدين الاصوليين وهذه مغالطة واضحة

كما يقال العرش ثم النقش فانتم تنقشون على امر عدمي .

الحديث الثاني الذي استدلوا به على مرادهم : ماورد في وسائل الشيعه عن الرضا عليه السلام قال قلت للرضا عليه السلام: جعلت فداك ان بعض اصحابنا تسمع الامر يحكى عنك وعن ابائك فنقيس عليه ونعمل به فقال: (سبحان الله لا والله ما هذا من دين جعفر هولاء قوم لا حاجة بهم الينا قد خرجوا من طاعتنا وصاروا في موضعنا فأين التقليد الذي كانوا يقلدون جعفرا وابا جعفرا) .الوسائل ج2ب1. صفات القاضي.

ومن العجب العجاب انهم يستشهدون بهذا النص الصريح عن الامام الرضا عليه السلام في مراده على عكس مراده فإذا تأملنا به اقل تامل نجده نصا واضحا كوضوح الشمس في رابعة النهار ان هولاء الفقهاء المذكورين في الروايه الشريفه هم من فقهاء الشيعه قطعا لقوله خرجوا من طاعتنا وقوله صاروا في موضعنا لاننا نعلم ان فقهاء السنه هم خارجين عن طاعه الائمه عليهم السلام من البدايه وهم ائمة ضلاله في قبال ائمة الهدى عليهم السلام وقوله عليه السلام صاروا في موضعنا وقوله لا حاجة لهم بنا كل هذه العبارات تصرح باوضح تصريح عن استعمال هولاء الفقهاء المستقلات العقليه وتغير الخطاب الشرعي بخطاب اخر، فهم مجتهدون لا فقهاء, مشرعون لا ناقلون للحكم الشرعي .

المناقشه الثانيه: ان الاقرار بتحمل الفقيه لتبعة الحكم الشرعي عن المكلف حال تقليده لايلزم منه براءة ذمة المكلف في حال اختلاف الحكم عن الحكم الواقعي ولذا تجد مقولة اشتهرت بين العوام –خليها برقبة عالم واطلع منها سالم –وهذا باطل مخالف للعقل والنقل .

لان هذا هو الاخر حكم عقلي محض مخالف لصريح الخطاب القراني الذي سوف نذكره في اخر البحث ان شاء الله بل تبقى مسوولية التابع وتتضاعف مسووليه المتبوع

ولو تاملنا جيدا في الموضوع لعلمنا وجه الحق اذ ليس من حق احد مهما بلغ من العلم والتقوى والورع ان يقول اتبعوني وتبرأ ذمتكم سوى المعصوم عليه السلام .

قال تعالى: (ولاتزر وازرة وزر اخرى )فاطر 18

قال تعالى : (وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء انهم لكاذبون ) العنكبوت 12

قال تعالى : (وقال الذين كفروا للذين امنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم) العنكبوت 12 

قال تعالى : (وهم يحملون اوزارهم على ظهورهم الا ساء مايزرون) [الأنعام : 31]

فهذه الايات الكريمه صريحة في المطلب فنساءل الله التوفيق والسداد من عثرة الرداء والابتلاء بالداء الذي وقع فيه الفقهاء وكما ورد عنهم عليهم السلام والصادق (ع) يقول ( إذا خرج القائم ينتقم من أهل الفتوى بما لا يعلمون فتعساً لهم ولأتباعهم أوَ كان الدين ناقصاً فتمموه أم كان به عوجاً فقوموه، ….) . إلزام الناصب ج2 ص2.

 (صحيفة الصراط المستقيم ـ العدد 11 ـ الصادر بتاريخ 26 شوال 1431 هـ الموافق ل 05/10/2010 م)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عدنان العرعور: عمليات الموصل هدفها “قتل أهلها”!

قال الداعية الوهابي السوري المقيم في الرياض، عدنان العرعور، “إن أهل الموصل يتعرضون للقتل”، على ...