أصل الاجتهاد عند العامة والشيعة ـ الحلقة الثانية

تكلمنا في الحلقة السابقة عن أصل الإجتهاد لدى العامة من أبناء السنة، وسنتكلم في هذه الحلقة عن عن أصله لدى الشيعة.

عندما نراجع تاريخ اصحاب الائمه عليهم السلام ونتفحصه جيدا نجد أنهم لم يكونوا يعولون في أصول دينهم أو فروعه ألا على كلام أئمة الهدى الأبرار عليهم السلام وكان فيهم علماء امثال هشام بن الحكم ومؤمن الطاق ومحمد الطيار وزراره بن اعين ومحمد بن مسلم وجابر الجعفي وغيرهم رضوان الله عليهم فكانوا يستقون مسائل اصول دينهم من الائمه عليهم السلام ويؤيدونها بالبراهين العقليه فكانوا خير خلف لخير سلف فكانوا مصداقا للمتفقهين في دين الله كما ورد عن اهل البيت عليهم السلام.

عن المفضل بن عمر قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: (عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا اعرابا فانه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله اليه يوم القيامه ولم يزك له عملا) .

وعن ابان بن تغلب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (لوددت ان اصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا) .

وعن معاويه بن عمار قال قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل راويه لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشّدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ولعل عابدا من شيعتكم ليس له هذه الروايه ايهما افضل؟ فقال(ع): (الراويه لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا افضل من الف عابد) .اصول الكافي ج1ص33.

فاخذ هولاء الاصحاب البرره باوامر مواليهم وتعاليمهم وعملوا بها ولم يحيدوا عن ائمتهم طرفه عين لا في اصول دينهم ولا في فروعه .

فاخذوا ينشرون تعاليم أهل البيت عليهم السلام في الاقطار والامصار الى ان وقعت الغيبه الصغرى وتعذر النقل وملاقات الامام عليه السلام لكل واحد فخرجت التوقيعات على يد السفراء الاربعه رض الى رواة احاديثهم ع وكان قد اجتمع لهم كتب في الحديث تشتمل على المسائل الجزئيه والقواعد الكليه وعلى قواعد الجمع بين الاخبار المختلفه فكانوا يسمون المحصل لتلك الكتب الراوي بها العارف بما فيها فقيها وعالما ومحدثا وراويه ولم يكن للمجتهد بينهم ذكر او اثر بل كانوا يذمون الاجتهاد والف ابو اسحاق بن نوبخت مقاله في ابطال الاجتهاد وهو من اكابر الاماميه واستمر هذا الامر الى ان وقعت الغيبه الكبرى وارتفاع معظم التقيه لاعراض خلفاء بني العباس عن الشيعه حيث لم يكن الامام ظاهرا حتى يخافونه على ملكهم وظهر للشيعه دوله وشوكه كالسلاطين ال بويه والامراء من بني حمدان وغيرهم وظهر امر الشيعه ونشأ فيهم علماء وفضلاء امثال الشيخ المفيد والطوسي والمرتضى والشريف الرضي والصدوق وغيرهم فنظروا الى كتب ابناء العامه فنظروا في اصولهم وفروعهم، ولما كان مدار العامه في الفقه على الاعتبارات العقليه والراي والقياس والاستحسان والظواهر الظنيه فكانوا يسمون من يمارس هذه العمليه اي القياسات والاستحسان وغيرها ويستنبط منها حكما شرعيا اجتهادا وصاحبها مجتهدا فكان المدار في ذلك الزمان البحث معهم  في الاصول والفروع ومقابلتهم في كل ما يبتدعونه مما يخالف الحق بما يبطله من ادله العقل والنقل حتى لا يمكنهم انكارها ولا ردها فسموا طريقتهم في مقابلة ابناء العامه اجتهادا والعارف بمذهب اهل البيت عليهم السلام مجتهدا اما في عملهم في الاصول والفروع لا يعدوا ما قاله اهل البيت عليهم السلام فيأتون بالمسأله ويأتي بدليل من ايه او روايه عن الاطهار عليهم السلام فمدرك الاحكام التي في ايديهم هو النقل لا غير والعقل من باب التأييد للشرع فالعقل تابع للشرع غير متبوع وهذا ما نراه في كتب الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق في كتابه من لايحضره الفقيه .

فلم يكن عين ولا اثر في كتب علماء الاماميه الاقدمين للفظه مجتهد ولا يمدحون عالما من العلماء بلفظ مجتهد بل يمدح بالعداله والعلم وكثرة الروايه عنهم عليهم السلام كما نقل الشيخ الطوسي في الفهرست والكشي والنجاشي .                                

اما بكونه مجتهدا فهو عرف حادث لا يوجد الا في كتب العلامه ومن تبعه ومن تبعه .

اما طريق المتاخرين في الاجتهاد حتى نعرف الفرق بينه وبين المتقدمين وهل ان طريق المتقدمين هو الذي يوافق ابناء العامه ام المتاخرين، فمن المتاخرين العلامه جمال الدين بن يوسف بن المطهر الحلي في كتاب المبادىء، وقد عرف الاجتهاد بأنه استفراغ الوسع في النظر فيما هو من المسائل الظنيه الشرعيه على وجه لا زيادة فيه ولا يصح في حق النبي صل الله عليه واله وسلم لأن الاجتهاد قد يخطىء وقد يصيب فلا يجوز تقيده ص به وكذلك لا يجوز لااحد من الائمه عليهم السلام عندنا لأنهم معصومون وانما اخذوا الاحكام بتعليم من الرسول صل الله عليه واله وسلم وبالالهام من الله تعالى .

واما العلماء فيجوز لهم الاجتهاد باستنباط الاحكام الشرعيه من العمومات من القران والسنه وترجيح الادله المتعارضه اما باخذ الحكم من القياس والاستحسان فلا .

وقال ايضا الحق المصيب واحد وان الله تعالى له في كل واقعة حكما معينا وان عليه دليلا ظاهرا لا قطعيا والمخطىء غير مأثوم انتهى كلامه رفع مقامه .

الرد على العلامه :-نقول له ايها الشيخ الجليل عندما عرفت الاجتهاد فتعريفك هو بعينه تعريف ابناء العامه وينطبق عليه انطباقا تاما قال العضدي في شرح مختصر ابن الحاجب: الاجتهاد في الاصطلاح استفراغ الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي .

فالتعريف نفس التعريف والفرق بينهما هو تقديم وتأخير بعض الالفاظ ولا مشاحات في الالفاظ.

وقلت في عبارتك الاخرى والمخطىء غير مأثوم .

قال ابناء العامه ان المجتهد ان اصاب الواقع فله اجران وان اخطاء فله اجر واحد .

فأنت ايها الشيخ قد برأت المجتهد المخطىء واجرت المصيب ؟؟؟.

وقال في كتاب تهذيب الاصول: المجتّهد حكم شرعي ليس عليه دليل قطعي فخرج بالشرعي الاحكام العقليه وبنفي الدليل القاطع ما علم كونه من الشرع ضرورة كوجوب الصلاة والزكاة وقال ايضا الضابط فيه تمكن المكلف من اقامة الدليل على المسائل الفرعيه وانما يتم له ذلك بأمور .

احدهما: معرفة اللغه ومعاني الالفاظ الشرعيه لا بالجميع بل بما يحتاج اليه في الاستدلال ويدخل فيه معرفة النحو والصرف.

الرد عليه:- ومن كلفك في عمليه استنباط الحكم الشرعي حتى تنهمك في النحو واللغه والصرف وغيرها وجعلتموها واجبه باقوالكم انها مقدمه الى الواجب فتصبح واجبه وهل يوجد دليل شرعي على قاعدتكم مقدمة الواجب واجب.

ثانيا: أن يكون عارفا بمراد الله من اللفظ.

الرد عليه:- قلت ان يكون عارفا بمراد الله وهل غير المعصوم ع يعرف بمراد الباري عز وجل سواء كان على مستوى اللفظ او على مستوى المعنى لأنهم هم المخاطبون بكتاب الله اما نحن فنفهم من القران على ما نقل عنهم عليهم السلام سواء في الاصول او الفروع.

ثالثا :ان يكون عارفا بالاحاديث الداله على الاحكام اما بالحفظ او بالرجوع الى اصل صحيح واحوال الرجال ليعرف صحيح الاخبار من معتلها .

الرد عليه: لقد حاكمت روايات اهل البيت عليهم السلام بمنهج مختلق من عند انفسكم وهذا المنهج مخالف لمنهج اهل البيت عليهم السلام .

رابعا: ان يكون عارفا بالاجماع بحيث لا يفتي بما يخالفه .

الرد عليه: من اين جئت بالاجماع وجعلته مصدرا من مصادر التشريع الالهي وهذا تحكم باطل ليس له طائل فمصادر التشريع هي الكتاب والسنه المتمثله باقوال وافعال وتقارير النبي واهل البيت عليهم السلام .

خامسا: ان يعرف دلاله العقل كالبراءه الاصليه والاستصحاب وغيرها .

سادسا: ان يعرف شرائط البرهان .

 سابعا: ان يعرف الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد وغيرها من طرق الاحكام.

الرد عليه: معرفه الناسخ والمنسوخ والخاص والعام والمطلق والمقيد منوط بالامام المعصوم عليه السلام .

ثامنا: ان يكون له قوة استنباط الاحكام الفرعيه من المسائل الاصوليه.

الرد عليه: هذه القوه ليست مناطا لمعرفه احكامه تعالى لما يترتب عليها من المفاسد وهذا ما نشاهده على صقع الواقع اليوم .

والنتيجه المتحصله مما مضى ان الاجتهاد عند المتاخرين هو الموافق لابناء العامه حذو النعل بالنعل والقذة بالقذه فعندهم القياس الاستحسان المرفوضين من الشارع المقدس ، الذين نهى عنهما اهل البيت عليهم السلام فلو راجعنا كتبهم الفقهيه المبسوطه رايناها مشحونه بهما قد عمل بذلك مؤلفوها وهم لا يشعرون ويزعمون تارة انها من باب الالحاق للاشتراك في علة الحكم وتارة تمثل شيء بشىء لاتحاد طريق المسألتين وهل القياس الا  هذا عند من عرف معنى القياس وشرائطه لان العله اذا كانت منصوصه فلا الحاق والا فهي مستنبطه داخله في القياس المذموم وكل ما ذكروه من الالحاقات فهو من هذا القبيل فقد اوردوا الناس موارد الهلكه واوردوهم ماء اجنا وتركوا الماء المعين وذلك لحب الدنيا كما قال رسول الله صل الله عليه واله، حب الدنيا رأس كل خطيئه .

وقد استدلوا على الاجتهاد والتقليد بورود هذه اللفظ في بعض المرويات، وستأتي المناقشة في حلقة لاحقة.

(صحيفة الصراط المستقيم ـ العدد 10 ـ الصادر بتاريخ 19 شوال 1431 هـ الموافق ل 28/09/2010 م)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

روحاني يترشح للانتخابات الرئاسية القادمة في إيران

قدم الرئيس الإيراني حسن روحاني رسميا اليوم أوراق ترشحه للرئاسة في الانتخابات المقررة في بلاده ...

اليابان تستنهض جيشها وتستعد للأسوأ

دعا رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي قوات الدفاع الذاتي إلى أن تكون مستعدة لحماية البلاد ...

الصين تحذر من أن “نزاعا يمكن أن ينشب في أي لحظة” بشأن كوريا الشمالية بعد تهديدات جديدة اطلقها الرئيس الأمريكي ترامب ضد نظام بيونغ يانغ

حذر وزير الخارجية الصيني وانغ يي الجمعة من أن “نزاعا يمكن ان ينشب في اي ...

ايران تدين العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة وتصفها بـ “بغير القانونية وغير الشرعية”

وصفت ايران الجمعة “بغير القانونية وغير الشرعية” العقوبات التي فرضتها عليها الولايات المتحدة مؤخرا واستهدفت ...

الولايات المتحدة تلقي أكبر قنبلة غير نووية في افغانستان

أعلن البنتاغون ان الجيش الاميركي القى الخميس أكبر قنبلة غير نووية، في اول استخدام لها ...