التقليد في ميزان الحقيقة / الحلقة الأولى

التقليد في ميزان الحقيقة / الحلقة الأولىبسم الله الرحمن الرحيم

أجمع الفقهاء الأصوليون في رسائلهم العملية على: (أن عمل العامي بلا تقليد باطل وغير مبرئ للذمة)، وعدم إبراء ذمته بلا تقليدهم والرجوع إليهم يعني بنظرهم أن صلاته كلا صلاة وصومه كلا صوم وهو ليس بحاج وإن حج، وهكذا .. عليه فقد أوجبوا على كل مكلف: (إما أن يجتهد ويقوم باستنباط الأحكام بنفسه، أو يحتاط في كل موارد التعارض، أو يقلد)، وهذا قولهم يلاحظه القارئ في أول صفحة من صفحات رسائلهم العملية جميعاً.

وسنحاول عبر هذه الحلقات الوقوف على حقيقة (التقليد) لنرى مصداقية ما يقال في تصويره وإخراجه إلى الناس أساً دينياً وثابتاً إسلامياً يرمى منتقده – فضلاً عن غير المؤمن به – بالزندقة والخروج عن عبودية الله وطاعته، ولسنا في مقام محاكمة آراء أو أشخاص بقدر ما نرجو رضا الله وكشف حقيقة غابت عن الكثير من خلال عرض ما استدلوا به على التقليد على كتاب الله وسنة نبيه الكريم (ص) وآله الطاهرين (ع).

وقبل استعراض أولى دلائله المزعومة ، أود التأشير على ما يلي :

أولاً: قال السيد الخوئي في بيان معنى التقليد: (أنه عرف بتعاريف؛ منها: أنه العمل بقول الغير. ومنها: انه الأخذ بفتوى الغير للعمل به. ومنها: أنه الالتزام بالعمل بفتوى الغير وإن لم يعمل، بل وان لم يأخذ .. ولكن التحقيق أن التقليد في العرف باق على معناه اللغوي، وهو جعل الغير ذا قلادة .. فكأن العامي يجعل عمله قلادة المجتهد كناية عن كونه هو المسؤول عنه، وهو المؤاخذ بعمله لو قصر في فتواه .. وبالجملة لما كان وزر عمل العامي على المفتي، صح إطلاق التقليد على العمل بفتواه باعتبار أنه قلادة له، فالصحيح في تعريفه أن يقال: هو العمل استنادا إلى فتوى الغير) مصباح الأصول: ج1 ص441.

وقال صاحب كتاب كفاية الأصول في تعريفه: (هو أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات، أو للالتزام به في الاعتقاديات تعبداً، بلا مطالبة دليل على رأيه) كفاية الأصول: ص472.

على المكلف – بنظرهم إذن – أن يجعل قول (مرجعه) قلادة يتقلدها في عنقه ليلقى بها ربه، بالرغم من أن ما يصل إليه المرجع في اجتهاده لا يعدو أن يكون حكماً ظنياً، ولا أحد منهم يدعي أن اجتهاده يصيب به حكم الله القطعي والحقيقي دائماً، وكون نتيجة الاجتهاد أحكام ظنية غير قطعية أمر يقول به كل الفقهاء الأصوليين كما لا يخفى، ويكفي للتدليل على ذلك ما نلاحظه من شدة الاختلاف في فتاواهم، ففي الأمر الواحد تجد الآراء المتعددة والتي يناقض بعضها بعضاً في كثير من الأحيان، مع أن حكم الله في كل واقعة واحد ولا يشك في ذلك مسلم، ولذا هم أنفسهم قالوا في تعريف الاجتهاد بأنه: (استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي)، انظر: المحكم في أصول الفقه / محمد سعيد الحكيم: ج6 ص261، وهو ينقله عن جملة من الفقهاء.   

والآن، هل يغني الظن فعلاً عن الحق ويُكتفى به بديلاً في دين الله، برغم أن الحق هدف الإنسان وغايته المرجوة ؟! لنرى ماذا يقول الله سبحانه في ذلك، قال تعالى:

– {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً}النجم: 28.

– {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}يونس: 36.

– {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}الأنعام: 116.

– {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ}الأنعام: 148.

– {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يونس: 66.

– {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى}النجم: 23.

هذا بعض قوله سبحانه في تقييم الظن في دين الله والذي تم عطفه أكثر من مرة على الهوى والتخرص، وليس بوسع أحد تخصيص ذم الأخذ بالظن بالعقيدة فقط ؛ لأن التخصيص بحاجة إلى مخصص، ففروع الدين كما هو واضح من الدين والآيات الكريمات مطلقة تشمل الأخذ بالظن في دين الله مطلقاً عقيدة كانت أم فروعاً، فمن أين إذن اكتفى فقهاء الأصول باجتهادهم الظني في دين الله وتشريع أحكامه بعد وضوح نصوص الكتاب التي أخرجت لكم بعضها ؟!! وهل يمكن للمؤمن حقاً أن يجعل ذلك الحكم الظني الذي ذم الله الآخذ به قلادة يتقلدها في عنقه ويواجه بها ربه يوم يلقاه ؟!!

وربما التفت بعض المجتهدين إلى ذلك، فقام بتعديل التعريف من ” بذل الجهد لتحصيل الظن بالحكم ” إلى: (بذل الجهد في تحصيل الحجة بالحكم الشرعي) انظر: مصباح الأصول / تقرير بحث السيد الخوئي: ج3 ص434.

ويقصدون بالحجة هنا التنجيز والتعذير، أي أن الحكم المستنبط يكون منجزاً في حق المكلف عند إصابة الاجتهاد للحكم الواقعي الإلهي، ومعذراً له عند الخطأ، بمعنى أن الله سبحانه لا يعاقب – المجتهد ولا المكلف – في صورة خطأ المجتهد في استنباط الحكم، ذلك أنه بذل الوسع وهذا ما يستطيعه فيصح له الاعتذار إمام الله ويقبل الله اعتذاره !!

وهنا نسجل ملاحظتين؛ أولهما: إن هذا القول هو تعبير آخر – بحسب المؤدى – عن نظرية (الأجر والأجرين) عند أهل السنة، فهم يقولون في تبرير بعض أفعال كبارهم بالاجتهاد، ثم يقولون إن المجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، فهو مأجور على كل حال ومعذور أيضاً في حالة الخطأ، بهذا برروا لعائشة خروجها على الإمام علي (ع) في معركة الجمل، ولمعاوية خروجه عليه في صفين، بل وصل بعضهم إلى حد أن جعله عذراً ليزيد بن معاوية في قتله للحسين (ع).

فمعاوية أو غيره اجتهد وظن أو توصل إلى ” الحجة المعذرة أمام الله ” واعتقد أن حكم الله هو أن يقاتل علياً (ع) ويتسبب في قتل ما يزيد على المئة ألف من المسلمين في صفين فقط ففعل على ضوئه، فهو مأجور ومعذور أيضاً، والفقيه معذور أيضاً لأنه بذل الوسع في استنباطه حتى وإن كانت النتيجة حكم ظني – معذر عند الخطأ – ثمرته مثلاً أن تصوم أمة عيدها فتستحق لعنة رسول الله (ص) والطرد من رحمة الله لما قال: (لعن الله أمة صامت عيدها) ؟!

وثاني الملاحظتين هي: مَن كلف الفقيه المجتهد بذل كل ذلك الجهد ما دام هو إنسان لم يطلعه الله على شريعته وأحكام دينه، ليتكفل إعطاء فتاوى تجعلها الرعية في أعناقها والحال أنها قد تتقلد في رقبتها مجرد آراء لرجال وليست بأحكام إلهية ؟!!

ثانياً: إن تخيير المكلف بين الاجتهاد والاحتياط والتقليد من قبل الفقهاء، يعني في نهاية الأمر إرغام المكلف وقهره على التقليد؛ ذلك:

–       أن استنباط الأحكام بعرفهم غير متيسر لعامة الناس، لأنه بحاجة إلى ملكة مزعومة تسمى بـ (الاجتهاد) لا ينالها إلا الأوحدي من الناس على حد قولهم، والتي تتطلب الإلمام بأكثر من خمسة عشر علماً، أيسرها النحو والصرف واللغة والمنطق والفلسفة والكلام والتفسير وأصول الفقه ووو … مما يعني أن خرط القتاد بالنسبة إلى الناس أهون عليهم من ذلك.

–       كما أن احتياط المكلف المسكين في كل موارد التعارض يعني صيرورته رجل (السوبر مان) أحياناً، فأن يجمع بين القصر والتمام في موارد الاشتباه، وبين إجراء أحكام الطهارة والنجاسة، والغصب وعدمه، وهكذا في كل ما يحصل فيه تعارض، يعني تحول الشريعة السمحة بقول رسول الله (ص) إلى شريعة الإرهاق والمشقة والتنفير، خصوصاً ونحن لا نتحدث عن ثلة من الناس بل عنهم جميعاً.

وبعد اتضاح حال هذين الخيارين، هل يجد المرء مهرباً من السقوط في فخ الخيار الثالث؟ كلا ورب العباد، فحقيقة ما يقال من أن التقليد جائز وليس واجباً خدعة سمجة، إذ هو إيجاب في نهاية الأمر، وحال الناس في الجواز المزعوم كحال من يلقى في بئر ويقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء. ولذا قال السيد الخوئي: (ثم إن المراد من جواز التقليد هو الجواز بالمعنى الأعم – أي الذي يشمل الوجوب – ؛ ضرورة أنه إذا انحصر الطريق بالتقليد، كما إذا عجز العامي عن الاحتياط، وجب التقليد في حقه تعييناً) مصباح الأصول/ تقرير بحث السيد الخوئي: ج1 ص451.

والجواز بالمعنى الأعم يقصد به في كلماتهم: (ما يلائم الوجوب)، ولو لاحظتم تعليله بقوله (ضرورة انه إذا انحصر … وجب التقليد) لكشف لكم ما أخبرتكم به.

ثالثاً:

تعليق: أين إذن آل محمد (ع) هل انعدموا ولا حجة منهم والعياذ بالله ؟؟ أم أنهم نفضوا أيديهم – وحاشاهم – من الخلق وهم السادة الهداة ليتكفل كل مكلف تشخيص حاله ويختار واحداً من بين ثلاثة لا غير ، وإلا جهنم ؟!!

بعبارة أخرى : هم يريدون أن يقولوا أن كل فرد هو إمام نفسه وكل شخص يتكفل حاله من حيث التشريع والأحكام ، وحيث إن المكلف البسيط لا يمكنه الاحتياط خصوصاً وان التعارض في أحكام أهل البيت (ع) ورواياتهم كبير جدا كما هم صوروه وعقدوا بابا كبيرا في خواتيم أصولهم يخص هذا الموضوع أسموه بالتعادل والتراجيح ، كما أن الاجتهاد يتطلب من صاحبه الضلوع بـ (17) علماً هم حددوها ، منها : علم الكلام والتفسير واللغة والصرف والبلاغة والنحو والمنطق والفلسفة وأصول الفقه والحديث والرجال … الخ ، وأكيد أن اغلب الناس مصروفة عن ذلك بل لا تطيق سماع بعض أحرف باطله فضلاً عن التضلع فيه .. فلم يبق إذن إلا الرجوع إليهم وتقليدهم ، وهو المطلوب .

ولا شك أن هذا الإيجاب بحاجة إلى مستند شرعي مقطوع به ، لاسيما وهو إيجاب على كل الخلق كلهم بنحوٍ يوصف المتخلف عنه بأنه لا صام ولا صلى ، ولا حج ولا زكى ، ولا لا ، ولكن كذب وتولى وصد عن الحق والهدى وسوف يجزى العقاب الأوفى على عظيم الجناية القصوى . وسنقف على المستند بعد معرفة معنى التقليد .

  • ·       مستند التقليد :

يقول الخوئي : ( أنه لا ينبغي الريب في جواز – يقصد بالجواز الإيجاب كما صورناه – التقليد للعامي في الأحكام الشرعية العملية . وتدل عليه السيرة العقلائية ، فإنها قد جرت على رجوع الجاهل إلى العالم في أمورهم الراجعة إلى معادهم ومعاشهم ، بل هو أمر فطري يجده كل من راجع نفسه وارتكازه . وهذا كاف في إثبات الحكم – أي بجواز التقليد – بعد ما سنذكره من عدم ثبوت الردع عنه من قبل الشارع ، بل المعلوم إمضاؤه ؛ للقطع بأنه لم تكن عادة السلف حتى في عصر المعصومين (ع) إلا على رجوع من لم يكن عارفاً بالأحكام الشرعية إلى العالم بها ، وقد قررهم الأئمة (ع) على ذلك … ) مصباح الأصول : ج1 ص448.

  • ·       مناقشة السيرة العقلائية :

واضح جداً أنهم يرمون أنفسهم على هذا الدليل المزعوم بالسيرة العقلائية كلما أعيتهم السبل في الحصول على آية أو رواية تصلح أن تكون مستنداً لمسألة يريدون تشريعها والتأسيس لها ، وهو حالهم في اغلب مباحثهم الأصولية وحتى الفقهية كما في محل البحث .. فأقول :

أولاً : بنظر الخوئي – وكل الأصوليين – من هم العقلاء الذين تكون سيرتهم مع الإمضاء دليلاً يؤخذ به في دين الله ويدور التحريم والتحليل مداره ؟! خصوصاً وهم يشرعون مسالة من لم يأخذ بها يكون عمله هباء منثورا بنظرهم ، وجهنم مصيره بزعمهم .. كل ذلك بعد حكمهم ببطلان عمله من صلاة وصيام وحج ووو من دون تقليد ؟! فمن هم الذي يقصدونهم ؟! 

هم يجيبون ويقولون : يقصد بالعقلاء كل من يطلق عليه انه عاقل ، مؤمناً كان أو كافراً ، صالحاً كان أو طالحاً وفاجراً وفاسقاً ، فيدخل بقولهم هذا أبو سفيان ومعاوية ويزيد وهارون والمتوكل وفرعون ونمرود وصدام وفهد وهلم جراً ، فكل هؤلاء سيرتهم تعد سيرة عقلائية أو لا اقل تساهم في تكوينها … أما سيرة المؤمنين وحدهم فيطلقون عليها بـ ( سيرة المتشرعة ) وأيضاً يجعلونها دليلاً .

الآن بربكم من يقبل أن يشرع ديناً للناس ويقول عنه إلهي بأدلة كهذه ؟! ومتى كانت سيرة الرجال المؤمنين دليلاً في دين الله فضلاً عن غيرهم من الكافرين والمنافقين والكاذبين وشاربي الخمر والزناة ووو .. متى ؟!

وأين ذهبت عشرات بل عشرات العشرات من روايات أهل البيت (ع) وهي تؤكد الميزان الإلهي المحكم في دينه وحججه ، ثم إكمال الدين الحاصل بإتمام نعمة الولاية بال محمد (ع) إلى يوم القيامة ، ولو كان فقط حديث الثقلين لكفى لمؤمن بالله وبيوم الحساب ؟؟ أين ذهب النهي عن معرفة الحق والدين بالرجال ؟؟ قال (ع) : ( من أخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وآله زالت الجبال قبل أن يزول ومن أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال ) الكافي : ج1 ص8.

وهل كان دين الله ناقصاً فاحتاج الأصوليون ومراجع التقليد أن يتمّموه بسير الرجال العقلاء ؟! كيف وهو لا يصاب بالعقول – فضلاً عن العقلاء – كما يقول أئمة الهدى (ع) ؟!

ثانياً : السيرة العقلائية ، من أعطاها صفة الدليلية في دين الله ، والحال أننا لا نجد لها عين ولا اثر لا في كتاب الله ولا في كلام محمد واله الطاهرين (ع) ؟! لا أحد .. ولذا يقولون لابد من إمضائها من قبل المعصوم والإمضاء هو الدليل وليست السيرة نفسها ، وعليه فلابد إذا كانت غير مرضية عند المعصوم فعليه أن يردع ويكرر الردع عنها بشكل يصل ألينا وبكثرة بحجم استحكام تلك السيرة ، وإلا فالحق فيها .

أقول :

أولاً : المعصوم (ع) وان كان لا يسكت عن باطل أبداً ، ولكن غير ملزم أيضاً ببيان ردعه لكل الناس حتى غير المؤمن بالله وبه ، أما لأصحابه – وهم الأقل في كل ما مر مع حجج الله الطاهرين والى يومنا هذا – فيوضح لهم بما هو مقتضى إرادة الله ومشيئته وإذنه الذي لا يتخطاه حجته دائماً وأبداً .. ولا احد يلزمه – والعياذ بالله – من سائر الخلق ويوجب عليه أن يردع بكثرة ووو من تقولات تدل على جرأة قائلها وجهله بقدره وحجمه . فالردع عما يذكره الأصوليون من سير عقلائية يحصل ولو برواية واحدة ، فكلام آل محمد (ع) ينظر له بالكيفية لأهميته لأنه في النهاية كلام الهي ، لا بالكمية والكثرة كما يصورون !!!

روى الصفار : ( حدثنا عباد بن سليمان عن سعد بن سعد عن صفوان بن يحيى عن ابى الحسن الرضا عليه السلام قال : قال الله تعالى فاسئلوا اهل الذكر وهم الائمة ان كنتم لا تعلمون فعليهم ان يسئلوهم وليس عليهم ان يجيبوهم ان شاؤا اجابوا وان شاؤا لم يجيبوا ) بصائر الدرجات : باب تفسير قوله تعالى فاسالوا اهل الذكر ح20. وروايات كثيرة اخرى بهذا المعنى ، راجع نفس الباب مما رواه الصفار وغيره .

 

ثانياً : مَن من أئمة أهل البيت (ع) – وبالتحديد الإمام الصادق (ع) الذي يريد مراجع الأصول أن ينسبوا إليه انه المؤسس (وحاشاه) لبدعة التقليد – كان يعيش في زمن طبيعي وأمره مطاع ونهيه مسموع مما يطلبه ويصوره الأصوليون في الردع ؟؟ أوَ ليسوا هم المهددون بالقتل دائماً ، بل المضطهدين من قبل سلطات الجور بشتى صنوف التضييق والتعذيب والحصار ؟! وكم أجابوا تقية وسكتوا كذلك ؟! 

ثالثاً : ثم على ماذا كانت سيرة أغلب الناس قائمة في زمن الإمام الصادق (ع) وباقي أئمة الهدى (ع) ؟ أوَ ليس على تقليد أبي حنيفة ومالك وغيرهم من أئمة الضلال الذين يتبعهم جمهور (العقلاء) من المسلمين كما يدعون !! ولم يبقى إلا أنفار تمسكوا بالهدى وأهله (ع) بعد أن أضاء الله قلوبهم بنوره .. فانظروا إذن إلى ما وردكم من قول آل محمد (ع) في تلك السيرة القبيحة ؛ لتطمئنوا هل حصل ردع عما أوجبتموه على الناس اعني تقليدكم ، أو أنها ممضاة منهم (ع) كما ادعيتهم ؟!! وسآتي بمثالين فقط ؛ لان هناك نقطة منفصلة ستأتي وهي تتكفل النهي بما ورد في كتاب الله وسنة نبيه واله صلوات الله عليهم أجمعين عن بدعة ( التقليد ).

الأول : علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن إبراهيم بن محمد الهمداني ، عن محمد بن عبيدة ، قال : ( قال لي أبو الحسن عليه السلام ، يا محمد أنتم أشد تقليداً أم المرجئة ؟ قال : قلت قلدنا وقلدوا ، فقال : لم أسألك عن هذا ، فلم يكن عندي جواب أكثر من الجواب الأول ، فقال أبو الحسن عليه السلام : إن المرجئة نصبت رجلاً لم تفرض طاعته وقلدوه ، وأنتم نصبتم رجلاً وفرضتم طاعته ثم لم تقلدوه ، فهم أشد منكم تقليداً ) الكافي : ج1 ص70 ح2.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(صحيفة الصراط المستقيم/عدد 1/سنة 2 في  27/07/2010 – 15 شعبان1431هـ ق)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

9 أعراض للاكتئاب تتعرف عليها لأول مرة.. أغربها منزلك غير النظيف

ارتفعت بشكل ملحوظ معدلات الإصابة بمرض الاكتئاب على مدار العقود الماضية، والغريب أنه بدأ يعرف ...