الخليفة والاستخلاف الحلقة الثانية

الخليفة والاستخلاف الحلقة الثانيةتحدثنا في الحلقة الأولى عن معنى الخليفة ومعنى الجعل في قوله تعالى: ( إني جاعل في الأرض خليفةوسنتحدث الآن عن المستخلِف، والخليفة.

إنّ الآية تنص على الاستخلاف، وفي الاستخلاف يوجد خليفة ويوجد مستخلف بكسر اللام، فمن هو المستخلف الذي جعل آدم (ع) خليفة له ؟

هنا ذكروا أقوالاً:

الأول: سمّى اللّـه تعالى آدم خليفة، لأنه جعل آدم وذريته خلفاء الملائكة؛ لأنّ الملائكة كانوا سكان الأرض .

الثاني: قال ابن عباس: إنه كان في الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، فاهلكوا، فجعل اللّـه آدم وذريته بدلهم.

الثالث: قال الحسن البصري: إنما أراد بذلك قوماً يخلف بعضهم بعضاً من ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم في إقامة الحق وعمارة الأرض.

الرابع: قال ابن مسعود: أراد أني جاعل في الأرض خليفة يخلفني في الحكم بين الخلق، وهو آدم، ومن قام مقامه من ولده.

إنّ القول الرابع المتقدم هو الموافق للأدلة، أي أنّ آدم (ع) ومن قام مقامه من ولده خلفاء اللّـه تعالى في الأرض، وليس المراد أن الخليفة هو النوع الإنساني، وسأنقل هنا بعض كلمات المفسرين في هذا الصدد:-

أ- جامع البيان – ابن جرير الطبري ج1 – ص 289:

( فكان تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود وابن عباس: إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بين خلقي ، وذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة اللّـه والحكم بالعدل بين خلقه ). وهو تأكيد واضح لما قلنا.

ب – تفسير الثعلبي ج1 – ص 177:

قال في صدد تفسير الآية: ( في معنى الخليفة قيل: سأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، طلحة والزبير وكعبا وسلمان: ما الخليفة من الملك؟ فقال طلحة والزبير: ما ندري. فقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعية ويقسم بينهم بالسوية ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله ويقضي بكتاب اللّـه، فقال كعب: ما كنت أحسب أن في المجلس أحدا يعرف الخليفة من الملك غيري، ولكن اللّـه عز وجل ملأ سلمان حكما وعلما وعدلا ). وفيه بيان أن الخليفة هو الحاكم.

ج- تفسير السمعاني ج1 – ص 64:

قال في صدد تفسير الآية: ( وقيل : إنما سمى خليفة لأنه خليفة اللّـه في الأرض ؛ لإقامة أحكامه ، وتنفيذ قضاياه ، وهذا هو الأصح ).

د – تفسير النسفي ج 1 – ص 36: 

( ( إني جاعل ) * أي مصير من جعل الذي له مفعولان وهما * ( في الأرض خليفة ) * وهو من يخلف غيره فعيلة بمعنى فاعلة وزيدت الهاء للمبالغة والمعنى خليفة منكم لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذريته ولم يقل خلاف أو خلفاء لأنه أريد بالخليفة آدم واستغنى بذكره عن ذكر بنيه كما تستغنى بذكر أبي القبيلة في قولك مضر وهاشم أو أريد من يخلفكم أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك أو خليفة مني لأن آدم كان خليفة اللّـه في أرضه وكذلك كل نبي قال اللّـه تعالى * ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) ).

النسفي يذهب إلى القول بأن آدم (ع) خليفة اللّـه، وكذلك كل نبي، ويستشهد بقوله تعالى: ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض )، وفيه دلالة جلية على أن الخليفة بمعنى الحاكم.

هـ- زاد المسير: ابن الجوزي – ج 1 – ص 47:

( وفي معنى خلافة آدم قولان: أحدهما: أنه خليفة عن اللّـه تعالى في إقامة شرعه، ودلائل توحيده، والحكم في خلقه، وهذا قول ابن مسعود ومجاهد. والثاني: أنه خلف من سلف في الأرض قبله، وهذا قول ابن عباس والحسن ). القول الأول نص فيما قلناه، وستأتي مناقشة القول الثاني.

ومثله ورد في تفسير الرازي ج 2 – ص 165:  

( الثاني : إنما سماه اللّـه خليفة لأنه يخلف اللّـه في الحكم بين المكلفين من خلقه وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والسدي وهذا الرأي متأكد بقوله : * ( إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) ).

وكذلك في تفسير العز بن عبد السلام ج 1 – ص 114: 

( ( خليفة ) * الخليفة من قام مقام غيره ، خليفة : يخلفني في الحكم بين الخلق، هو آدم صلى اللّـه عليه وسلم ومن قام مقامه من ذريته، أو بنو آدم يخلفون آدم ، ويخلف بعضهم بعضا في العمل بالحق، وعمارة الأرض، أو آدم وذريته خلفاء من الذين كانوا فيها فأفسدوا، وسفكوا الدماء ).

وفي تفسير القرطبي ج 1 – ص 263 – 265: 

( هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك. ودليلنا قول اللّـه تعالى: “ إني جاعل في الأرض خليفة ” [ البقرة : 30 ]، وقوله تعالى: ” يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ” [ ص : 26 ]، وقال: “ وعد اللّـه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ” [ النور : 55 ] أي يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي. ).

وفي تفسير البيضاوي ج 1 – ص 280: 

( والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه والهاء فيه للمبالغة والمراد به آدم عليه الصلاة والسلام لأنه كان خليفة اللّـه في أرضه وكذلك كل نبي استخلفهم اللّـه في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقي أمره بغير وسط ولذلك لم يستنبئ ملكا كما قال اللّـه تعالى * ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) * ألا ترى أن الأنبياء لما فاقت قوتهم واشتعلت قريحتهم بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار أرسل إليهم الملائكة ).

وفي تفسير ابن كثير ج 1 – ص 73 – 74: 

( خليفة ” قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة إن اللّـه تعالى قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا: ربنا وما يكون ذاك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. قال ابن جرير فكان تأويل الآية على هذا إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بالعدل بين خلقي وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة اللّـه والحكم بالعدل بين خلقه، وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه ). ابن كثير ينقل عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة أن الخليفة هو خليفة لله يخلفه في الحكم.

وأضاف ابن كثير في موضع آخر من تفسيره قوله: ( وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ويقطع تنازعهم وينتصر لمظلومهم من ظالمهم ويقيم الحدود ويزجر عن تعاطي الفواحش إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب )[ تفسير ابن كثير – ابن كثير – ج 1 – ص 75]. 

وفي تفسير الجلالين السيوطي – ص 8:   

(* أذكر يا محمد * ( إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) * يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها وهو آدم ).وهو واضح في أن الخلافة بمعنى الحكم.

وفي تفسير الثعالبي ج 1 – ص 205، وهو في صدد تفسير الآية: ( وقال ابن مسعود: إنما معناه: خليفة مني في الحكم ).

وفي تفسير الآلوسي ج 1 – ص 220: 

( ومعنى كونه خليفة أنه خليفة اللّـه تعالى في أرضه، وكذا كل نبي استخلفهم في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى، ولكن لقصور المستخلف عليه لما أنه في غاية الكدورة والظلمة الجسمانية، وذاته تعالى في غاية التقدس، والمناسبة شرط في قبول الفيض على ما جرت به العادة الإلهية فلا بد من متوسط ذي جهتي تجرد وتعلق ليستفيض من جهة ويفيض بأخرى. وقيل: هو وذريته عليه السلام ، ويؤيده ظاهر قول الملائكة، فإلزامهم حينئذ بإظهار فضل آدم عليهم لكونه الأصل المستتبع من عداه، وهذا كما يستغني بذكر أبي القبيلة عنهم، إلا أن ذكر الأب بالعلم وما هنا بالوصف، ومعنى كونهم خلفاء أنهم يخلفون من قبلهم من الجن بني الجان أو من إبليس ومن معه من الملائكة المبعوثين لحرب أولئك على ما نطقت به الآثار، أو أنه يخلف بعضهم بعضا، وعند أهل اللّـه تعالى المراد بالخليفة آدم وهو عليه السلام خليفة اللّـه تعالى وأبو الخلفاء والمجلي له سبحانه وتعالى ، والجامع لصفتي جماله وجلاله ).

وزاد الآلوسي قائلاً: ( ولم تزل تلك الخلافة في الإنسان الكامل إلى قيام الساعة وساعة القيام ).

وهو واضح في استمرار الخلافة إلى قيام الساعة، وقوله الإنسان الكامل تقييد أخرج به خلافة غير الكامل.

وفي  أضواء البيان – الشنقيطي ج 1 – ص 20: ( في قوله : * ( خليفة ) * وجهان من التفسير للعلماء : أحدهما : أن المراد بالخليفة أبونا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ؛ لأنه خليفة اللّـه في أرضه في تنفيذ أوامره ).

وأضاف قوله:

( قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة : هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة ؛ يسمع له ويطاع ؛ لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم إلى أن قال : ودليلنا قول اللّـه تعالى : * ( إني جاعل في الأرض خليفة ) * . وقوله تعالى : * ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) * . وقال : * ( وعد اللّـه الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) * . أي : يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي )[ أضواء البيان – الشنقيطي – ج 1 – ص 21].

والذي يدل على أنّ الحق هو القول الرابع هو:

أولاً: إنّ سياق الآيات يدل على أن الحجر الأساس للخلافة الإلهية هو الإحاطة العلمية كما يبينه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقوله تعالى في قصة طالوت: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّـه قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّـه اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّـه يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّـه وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

فالواضح أنّ الخليفة لابد أن تكون عنده إحاطة علمية، ومن المعلوم ليس هذه الإحاطة موجودة عند جميع بني آدم (ع) كي يقال إنّ الخلافة تكون للنوع الإنساني، فإن في الناس من هو أضل من الأنعام.

ثانياً: قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللّـه اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ @ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّـه سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. حيث إنها تدل على اصطفاء أُناس خاصين وليس كل بني آدم (ع)، وما هذا الاصطفاء إلاّ لخلافة اللّـه تعالى في الأرض.

ثالثاً: ما رواه العام والخاص عن النبي (ص) أنه قال: (رحم اللّـه خلفائي. فقيل: يا رسول اللّـه، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد اللّـه)[ عوالي اللئالي:ج4/ص59، منية المريد:ص101، بحار الأنوار:ج2/ص25. وفي كنز العمال: رحمة اللّـه على خلفائي. قيل: ومن خلفاؤك يا رسول اللّـه ؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس.(ج10/ص229) ].

فخلفاء الرسول (ص) هم الذين يحيون السنّة ويعلمونها للناس، وإحياء السنة بفهمها لا بروايتها فقط، والذين يفهمون سنة النبي (ص) هم عترته وأهل بيته (ص)؛ ولذا قرنهم بكتاب اللّـه في حديث الثقلين.

ومن هنا خلفاء الرسول (ص) ليس هم كل البشر بل أُناس مخصوصين عندهم إحاطة وعلم بالقرآن الذي هو رسالة النبي (ص). للبحث تتمة ستأتي إن شاء اللّـه.

ــــــــــــــــــــــــ

(صحيفة الصراط المستقيم/عدد 7/سنة 2 في 07/09/2010 – 27 رمضان1431هـ ق)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تفاصيل 5 محاولات فاشلة لسرقة قبر الرسول

يَا سيِّدى يا رســولَ الله خُذْ بيدِى * ما لى سِواكَ ولا أَلْـــوى على أحدِ ...